حسن النعمان اللورد. …يكتب

الحقد… ليس مجرد شعور عابر يسكن القلب، وإنما حين يتحول إلى مشروع، يصبح أداةً لهدم الإنسان والأرض والتاريخ والحياة.

 

وفي كل بقاع الدنيا، مهما اشتدت الخصومات، وتعاظمت الخلافات السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية، تظل هناك حدود للإنسانية لا ينبغي تجاوزها. قد تختلف مع أخيك، وقد تنازعه في الرأي والسلطة والثروة، وقد ترى أنه أخطأ أو ظلم أو أفسد، لكن أن يبلغ بك الخلاف حدَّ السعي إلى محو الإنسان من الأرض، ومحو أثره، وتدمير مقومات حياته، وقتل الحيوان، وإبادة الزرع، وتجريف الأرض… فذلك ليس خلافًا سياسيًا، ولا صراعًا على السلطة فحسب.

إنه شيء أعمق وأخطر.

 

إنه الحقد حين يتحول إلى عقيدة.

فمن أين جاء هذا الحقد؟

ومن أيِّ طينةٍ صُنع هؤلاء؟

أهو الجبن الذي يدفع صاحبه إلى قتل كل من يختلف معه، لأنه يخشى أن يفقد سلطته ومكانته؟

أم هو عشق السلطة، حين تتحول السلطة من وسيلة لخدمة الناس إلى غايةٍ يهون في سبيلها الإنسان؟

أم هي رغبةٌ في احتكار كل شيء؛ احتكار القانون، والتعليم، والتنمية، والعيش الكريم، والسكن، والعمل، والمصانع والشركات والثروة، بل وحتى احتكار تعريف من هو السوداني ومن يحق له أن ينتمي إلى هذا الوطن؟

 

ثم يبرز السؤال الأكثر مرارة:

لماذا كل هذا الحقد على غرب السودان؟

لماذا هذا الغضب المتراكم تجاه المسيرية و الرزيقات بل كل عرب الغرب والمكون عامة ، وتجاه عرب دارفور وكردفان، وتجاه كل إنسانٍ خرج ليقول: أنا مظلوم… أريد حقي؟

 

هل هي عقد تاريخية تراكمت عبر عقود طويلة؟

هل هي محاولة لإخفاء صفحات من التاريخ، أو إعادة صياغتها بما يخدم روايةً واحدة؟

لقد حاول البعض أن يصنعوا للسودان تاريخًا بمقاسهم، وأن يضعوا أنفسهم في موضع أصحاب الحق الأصيل، وأن يجعلوا الآخرين مجرد طارئين على وطنهم.

 

لكن التاريخ لا يخضع للأهواء.

التاريخ قد يُشوَّه، لكنه لا يموت.

والأرض تعرف أبناءها.

والدم الذي سال عليها لا يحتاج إلى شهادة من أحد.

 

فالذين استبسلوا في هذه البلاد، وسقط منهم الآلاف في ساعة واحدة، والذين واجهوا الغزاة دفاعًا عن أرضهم، لم يكونوا غرباء عن السودان، ولم يكونوا ضيوفًا عليه.

بل كانوا جزءًا من ذاكرته ودمه وتاريخه.

حتى الغازي نفسه اضطر إلى الاعتراف ببأسهم، حين قال بمعنى لا يحتاج إلى كثير شرح:

لم نهزمهم… وإنما قتلناهم.

تلك شهادة خصمٍ لم يستطع إنكار شجاعة من واجهه.

 

ومع ذلك، ظل هناك من يحاول إعادة تشكيل التاريخ، وتغيير أسماء الأشياء، وصناعة رموز وروايات براقة، كأن التاريخ يمكن أن يُغطى بطبقة من الطلاء.

لكن الطلاء لا يغير الحقيقة.

والإناء المزخرف بالكذب ينكسر عند أول امتحان.

 

لقد جاءت الحرب لتكشف كثيرًا مما ظل مخفيًا خلف الشعارات.

وكشفت أن المأساة السودانية ليست وليدة يومٍ واحد، وإنما هي نتيجة تراكم طويل من غياب العدالة، واختلال ميزان التنمية، واحتكار القرار والثروة والفرص.

هذه المناطق التي ظل السودان يستمد من أرضها وإنسانها الذهب والثروة الحيوانية والزراعة والأسماك وغيرها من الموارد، ظلت في المقابل تعاني من التهميش، والفقر، وغياب الخدمات، وانعدام العدالة في توزيع الثروة والتنمية.

لم تكن المشكلة في قلة الموارد، وإنما في غياب العدالة.

وعندما اندلعت الحرب، ظن البعض أن الخوف يمكن أن يُخضع هؤلاء الناس.

لكنهم نسوا حقيقةً لا تتغير:

الشجاعة لا تُقتل.

يمكن أن تقتل رجلًا شجاعًا، لكنك لا تستطيع قتل معنى الشجاعة.

يمكن أن تسقط فارسًا، لكن الفروسية لا تسقط معه.

يمكن أن تقتل إنسانًا، لكنك لا تستطيع أن تقتل حقه في أن يُذكر بأنه مات واقفًا.

 

ولهذا، كلما فشل القتل في إخضاع الناس، اتسعت دائرة العنف، ووصل الأمر إلى استهداف الإنسان والأرض والزرع والحيوان وكل مقومات الحياة.

وهنا يجب أن نسأل، بعيدًا عن كل الشعارات:

أيُّ إنسان يستطيع أن يفكر بهذه الطريقة؟

أيُّ عقلٍ يستطيع أن يرى وطنًا يحترق، ثم يعتقد أن إحراقه هو الطريق إلى إنقاذه؟

وأيُّ وطنٍ هذا الذي يُطلب من أبنائه أن يحبوه، بينما تُدمر حياتهم باسم حمايته؟

لقد تركت هذه الحرب جرحًا عميقًا في وجدان السودان.

شرخًا لن يلتئم بالشعارات.

وذاكرةً لن تمحوها البيانات.

وجرحًا سيظل حاضرًا في ضمير الأجيال.

ثم، عندما أدرك البعض أن القوة لم تحقق ما أرادوا، عادوا يتحدثون عن:

“حضن الوطن”.

أي حضنٍ هذا؟

كيف يكون الإنسان حضن الوطن وهو يقتل إنسان الوطن؟

كيف يكون حضن الوطن من يدمر أرض الوطن، ويهلك زرعه، ويقتل حيوانه، ويبدد ثروته، ويجعل المواطن يخاف من وطنه بدل أن يشعر بالأمان فيه؟

حضن الوطن ليس كلمة تُقال عندما تفشل القوة.

حضن الوطن هو أن تحمي الإنسان، وتحمي الأرض، وتصون الثروة، وتحفظ كرامة المواطن،

مهما اختلف معك في الرأي أو السياسة أو القبيلة أو الجهة.

حضن الوطن هو أن تختلف مع أخيك دون أن تسعى إلى محوه.

أن تناقشه دون أن تقتله.

أن تنازعه في السياسة دون أن تنزع عنه حقه في الحياة.

أن تؤمن بأن السودان أكبر من أي حزب، وأكبر من أي جماعة، وأكبر من أي قبيلة، وأكبر من أي جهة.

الوطن لا يُورَّث لفئة، ولا يُختزل في قبيلة، ولا يُختصر في لون أو عرق أو جغرافيا.

 

الوطن هو الإنسان.

والوطن هو الأرض.

والوطن هو الثروة التي يجب أن تكون حقًا مشتركًا لكل أبنائه.

وأخيرًا…

إن حضن الوطن الحقيقي الذي يجب أن يؤسَّس عليه السودان، والذي ينبغي لكل السودانيين أن ينتموا إليه، ليس حضن جماعة ولا حزب ولا قبيلة ولا جهة.

إنه حضن السودان نفسه.

حضن القالب الأكبر الذي يجمع غالبية الوطن: إنسانًا، وأرضًا، وثروةً، وتاريخًا، وكرامةً، ومستقبلًا.

ذلك هو الوطن الذي يجب أن ننتمي إليه.

وذلك هو الحضن الذي لا يسأل السوداني:

من أي قبيلة أنت؟

ومن أي جهة جئت؟

وما لونك؟

وما اسم جماعتك؟

بل يسأله سؤالًا واحدًا:

هل أنت سوداني؟

فإذا كان الجواب نعم، فله في هذا الوطن حقٌّ كامل في الحياة والكرامة والأمن والثروة والمستقبل.

ذلك هو حضن الوطن الحقيقي.

حضن الوطن هوا تأسيس

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *