م. عبدالملك زكريا علي…يكتب التحديد المفاهيمي والتوصيف الحقيقي لتلك الاجراءات يحتاج لتفكيك مقولة (تصحيح المسار) مقابل الانقلاب الدستوري حيث تمثل الإجراءات والقرارات الاستثنائية التي اتخذها قائد عام الديش (القوات المسلحة السودانية) البرهان في فجر 25 أكتوبر 2021م .. الحدث الفاصل الذي أعاد تشكيل الهندسة السياسية والأمنية للدولة السودانية وعلى الرغم من التنسيق الإعلامي والخطابي الذي صاحب صدور تلك القرارات للتسويق لها تحت مسمى (إجراءات تصحيح مسار الثورة) وحماية البلاد من الفراغ والمحاصصات الحزبية … فإن التكييف القانوني والسياسي الموضوعي في الأدبيات الدستورية والعلوم السياسية يدرج هذه الخطوة صراحة ضمن خانة الانقلاب العسكري مكتمل الأركان ضد السلطة الانتقالية الشرعية القائمة الممثلة في حكومة الشراكة ومؤسسات الوثيقة الدستورية .. وينطلق التوصيف الحقيقي لهذه القرارات من طبيعة التدابير التنفيذية والميدانية التي رافقتها لحظة إعلانها إذ بدأت العملية بتحرك عسكري منظم شمل اعتقال رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك ووضعه قيد الإقامة الجبرية بالتوازي مع اعتقال عدد واسع من الوزراء وأعضاء مجلس السيادة المدنيين والمستشارين السياسيين وقيادات التحالف الحاكم (قوى إعلان الحرية والتغيير) ورافق ذلك قطع كامل لشبكة الإنترنت والاتصالات في جميع أنحاء البلاد من قِبل شبكات المراقبة وإغلاق مطار الخرطوم الدولي ونشر القوات العسكرية وعناصر قوات الدعم السريع في المحاور الاستراتيجية لتقييد حركة المدنيين وتفريق الاحتجاجات الجماهيرية بالذخيرة الحية .. حيث تُظهر القراءة التحليلية للسلوك السياسي للمكون العسكري أن اللجوء لمصطلح (تصحيح المسار) كان محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ومطلوبات الاستقرار المؤسسي وسعى الجنرالات إلى إضفاء مشروعية وقائية على الاستيلاء على السلطة عبر تصوير الإجراء كخطوة حتمية لإنقاذ البلاد من الفشل الإداري والانسداد السياسي غير أن النتيجة الواقعية لتلك الإجراءات لم تكن تصحيحاً للمسار الديمقراطي بل تجريفاً كاملاً للإطار الدستوري الحاكم للفترة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية لسنة 2019م .. فقد أدخلت هذه القرارات البلاد في فراغ دستوري وهيكلي ممتد وعطلت مؤسسات الدولة وألغت صيغة الشراكة الوطنية وأعادت السودان إلى مربعات العزلة الدولية والاضطراب السياسي والأمني وتتجلى حقيقة هذه الإجراءات ومآلاتها عند الربط بين محطتها التأسيسية في 25 اكتوبر 2021م والواقع الميداني في 15 ابريل 2023م ففي هذا التاريخ تحديداً إندلعت المواجهات العسكرية الدامية بين الديش وقوات الدعم السريع في محاور كافة الجبهات وهو ما يثبت واقعياً أن القرارات لم تؤدِ إلى الاستقرار أو التوافق كما زُعم عند إعلانها بل قادت البلاد بحكم خط التسبيب الهيكلي من الانقلاب المؤسسي إلى الحرب الشاملة والانهيار الكامل لمؤسسات الحكم المركزي .. ؟؟!! . #- التشريح الدستوري والقانوني: البنود المعطلة وآلية تقويض الشرعية الانتقالية .. حيث قام البناء القانوني للتحول الديمقراطي في السودان عقب الإطاحة بنظام عمر البشير في أبريل 2019م على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية الموقعة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير .. حيث تضمن الإعلان الصادر في 25 أكتوبر 2021م عصفاً كاملاً بهذه المرجعية عبر تعليق تفعيل أهم المواد الحاكمة لهياكل السلطة والشراكة السياسية .. وتضمن القرار تعليق المواد الحاكمة لبنية السلطة الانتقالية حيث طال التعليق المادتين 11 و12 الخاصتين بتشكيل واختصاصات مجلس السيادة الانتقالي وكانت المادة 11 تنص على تكوين المجلس بالتوافق بين العسكريين والمدنيين بواقع خمسة أعضاء مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير وخمسة يعينهم المجلس العسكري وعضو مدني توافقي على أن يرأس المجلس عسكري في الـ 21 شهراً الأولى وتؤول الرئاسة لمدني تفتتح ولايته في 17 نوفمبر 2021م وجاء تعطيل النص قبل أقل من شهر من موعد نقل الرئاسة للمدنيين لينفرد القائد العام للديش بشرعية رأس الدولة والقيادة العليا للقوات النظامية ملغياً الاستحقاق الدستوري لنقل السلطة كما شمل التعليق المادتين 15 و16 المعنيتين بتشكيل واختصاصات مجلس الوزراء الانتقالي مما أسقط سلطة قوى الحرية والتغيير في ترشيح رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة وألغى صلاحيات السلطة التنفيذية في رسم السياسات وتعيين قيادات الخدمة المدنية وإدارة الاقتصاد وإعداد الموازنة العامة وأدى تعطيل المادة 24/3 إلى تقويض النص المحدد لنسبة 67% لقوى الحرية والتغيير في المجلس التشريعي الانتقالي في حين فك تعليق المادة 71 الارتباط القانوني بين الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي التأسيسي وفتح تعليق المادة 72 الباب قانونياً لإعادة استدعاء المجلس العسكري الانتقالي المنحل كمؤسسة حاكمة كأمر واقع وتؤكد الرؤية القانونية الناقدة أن هذه القرارات تمثل انتهاكاً صارخاً للمادة 78 من الوثيقة الدستورية ذاتها والتي تشترط صراحة عدم جواز تعديل أو إلغاء أي من أحكام الوثيقة إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي وفي ظل غياب المجلس التشريعي المقصود تغيبه فإن انفراد القائد العام للديش بتعليق مواد أساسية يمثل تخطياً للأطر الدستورية مما أدى إلى تجريد السلطة القائمة بعد 25 أكتوبر 2021م من أي سند دستوري مشروع وأدخل البلاد في حالة عارضة من اللادستورية والفراغ المؤسسي .. وبالنظر للمادة المعطلة ومضمون النص الأصلي في الوثيقة الدستورية (2019) والإجراء المنفذ في 25 أكتوبر 2021م والتكييف والترتيب القانوني والدستوري فنجد مثلا المادة 11 الخاصة بتشكيل مجلس السيادة بالتوافق (5 مدنيين و5 عسكريين وعضو مدني توافقي وتدوير الرئاسة للمدنيين فحل مجلس السيادة وإنهاء عضوية المكون المدني بقرار منفرد والاستيلاء على رأس الدولة وإلغاء انتقال الرئاسة للمدنيين المقرر في 17 نوفمبر 2021م الاجراء اعلاه فقط ماهي دلالاته الدستورية والقانونية والسياسية ؟؟ .. فلننظر ايضا للمادة 12 والتي تنص علي تحديد اختصاصات مجلس السيادة والمشاركة في إعلان الطوارئ والحرب بموافقة الوزراء والمجلس التشريعي حيث علقت الصلاحيات المقيدة وانفرد قائد الديش بإعلان حالة الطوارئ وجمع السلطات السيادية والتشريعية في يد القيادة العسكرية وغييب الرقابة المؤسسية اذن ماهو التفسير الدستوري والقانوني والسياسي ؟؟ ثم المادة 15 والخاصة بتشكيل مجلس الوزراء من كفاءات مستقلة ترشحهم قوى الحرية والتغيير وجاءت الاجراءات بإقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وحل الحكومة الانتقالية وإنهاء المرجعية السياسية لكتلة قوى الحرية والتغيير كحاضنة معتمدة للفترة الانتقالية ماذا يمكن ان نسمي مثل هذا الاجراء ؟؟ ثم المادة 16 والخاصة بتحديد صلاحيات رئيس الوزراء والوزراء في إدارة الدولة وتطبيق برنامج الثورة حيث تم تجريد السلطة التنفيذية من صلاحياتها وإلغاء إلزامية برنامج الحرية والتغيير وتفريغ رئاسة الوزراء من مضمونها الدستوري وشل العمل الإداري والتنفيذي (يا الحارث هو الانقلاب دا كيفنه) ؟؟ والمادة 24/3 والخاصة بتخصيص نسبة 67% من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي لقوى إعلان الحرية والتغيير وتم إلغاء النسبة المخصصة والتعهد بإعادة التشكيل خارج أطر التوافق السياسي وحرمان المكون المدني الثوري من الكتلة الحاكمة في التشريع والمراقبة .. الانقلاب العسكري ما موسيقي بل هو إجراءات ومن فرد وبإسم ذات الفرد وصفته المهنية قائد عام الديش في زمن الغفلة .. اللهم ارحم عبدك القائد العام للقوات المسلحة عبدالرحمن سوار الذهب .. عاهد فأوفي وسلم وتخلي فقط عام واحد .. ثم المادة 71 والخاصة بالتأكيد على استمداد أحكام الوثيقة من الاتفاق السياسي وسيادتها في التطبيق حيث فكت الاجراءات الارتباط القانوني بين الوثيقة والاتفاق السياسي المبرم عام 2019م وتم إلغاء التعهُّد الأخلاقي والقانوني المقيد لعلاقة الشراكة بين المدنيين والعسكريين واستمرت الشيطنة ونصت المادة 72 الإقرار بحل المجلس العسكري الانتقالي فور أداء أعضاء مجلس السيادة للقسم علقت الاجراءات العمل بالمادة وأعادت تفعيل المجلس العسكري كمؤسسة حاكمة كأمر واقع وكذلك تم النكوص عن الالتزام بالمدنية وإعادة هيكلة الحكم لصالح كادر المؤسسة العسكرية . #- الجذور السياسية والدوافع المباشرة: تفكيك تحالف الانتقال ومسببات الانفجار لم تكن القرارات العسكرية وليدة لحظتها بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من التآكل الداخلي والصراع بين مكونات الحكم الانتقالي (العسكري والمدني من جهة والمدني-المدني من جهة أخرى) ويرجع هذا التآكل إلى عوامل هيكلية متعددة حيث اتسمت إدارة السلطة التنفيذية والانتقال السياسي بمحاصصات حزبية ضيقة واستقطاب حاد بين القوى المدنية لاسيما بين ما عُرف بـمجموعة الأربعة داخل قوى الحرية والتغيير وبقية المكونات السياسية والمجتمعية وترافق ذلك مع الصراع حول أعمال لجنة تفكيك نظام 30 يونيو واسترداد الأموال العامة إذ رأى فيها المدنيون أداة لتفكيك بنية النظام البائد بينما نظر إليها المكون العسكري بحذر شديد مع تزايد اقتراب تحقيقاتها من شبكات المصالح التابعة للمؤسسات العسكرية والنظام السابق مما دفع البرهان لقرار تجميد أعمالها ومراجعتها .. كما لعب التوقيع على اتفاق جوبا لسلام السودان في أكتوبر 2020م دوراً جوهرياً في تحويل موازين القوى السياسية داخل الفترة الانتقالية فقد أدى انضمام الحركات المسلحة الموقعة على السلام إلى الحكومة وتشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية إلى بروز تباينات حادة مع أحزاب المجلس المركزي للحرية والتغيير حول قسمة السلطة والمقاعد ووجد العسكريون في قيادات الحركات المسلحة ظهيراً سياسياً لمواجهة هيمنة قوى الحرية والتغيير وهو ما تبلور في تأسيس قوى الحرية والتغيير – التوافق الوطني وتنظيم اعتصام امام القصر الرئاسي في اكتوبر 2021م (إعتصام الموز) بمباركة عسكرية للمطالبة بحل الحكومة وإعلان الطوارئ وكان الخلاف حول انتقال رئاسة المجلس السيادي للمدنيين بموجب الوثيقة الدستورية في نوفمبر 2021 هو القاطعة الفاصلة في هذا الصراع .. فقد استند المكون العسكري وحلفاؤه إلى تفسير يرى أن مدة الـ 21 شهراً المخصصة لرئاستهم تجدد احتسابها بدءاً من تاريخ توقيع اتفاق جوبا (أكتوبر 2020م) مما يمدد ولاية البرهان حتى يوليو 2022م وأدى تمسك القوى المدنية بالنص الأصلي ونقل الرئاسة في موعدها إلى تخوف العسكريين من فقدان الغطاء السياسي والأمني والانكشاف أمام ملفات المساءلة والعدالة الانتقالية فكان القرار بحظر انتقال الرئاسة عبر تنفيذ الانقلاب ..!! . #- التداعيات السياسية والميدانية: والتي تمثلت في العزلة والانقسام المجتمعي وسقوط اتفاق 21 نوفمبر حيث فشلت السلطة الانقلابية في فرض أمر واقع مستقر عقب إعلان قراراتها وأحدثت الإجراءات هزة سياسية واجتماعية تمثلت في رفض شعبي واسع وإعادة العزلة المؤسسية الدولية الشاملة وقتلت سودان المستقبل وسودان الرؤية الاقتصادية وسودان المؤسسات وسودان الاستثمار الواعد وسودان الاندماج الاقليمي والدولي واحيت سودان الاستبداد والتسلط والتسيد وإجراءات الظلام السودان القديم بشخوصه ونظامه السياسي الذي يجيد لغة الشيطنة والحِوي .. وقد انطلقت الاحتجاجات والمواكب الجماهيرية المقاومة للإجراءات بتنظيم محكم من لجان المقاومة وقوى الحرية والتغيير والقوي السياسية المناوئة للانقلاب والكيانات النقابية وتبنى الشارع الرافض للقرارات عقيدة موحدة تجسدت في اللاءات الثلاث: (لا تفاوض لا شراكة لا شرعية) مع الشق العسكري وقوبلت هذه المواكب بقمع مفرط من قبل الأجهزة الأمنية مما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى وفرض واقع أمني متأزم في العاصمة والولايات وتحت وطأة الضغوط الدولية والإقليمية والعزلة المالية حاول البرهان امتصاص الصدمة عبر التوصل إلى اتفاق سياسي مع رئيس الوزراء المحتجز عبد الله حمدوك في 21 نوفمبر 2021م ينص على إعادة الأخير لمنصبه وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة وإطلاق سراح المعتقلين غير أن هذا الاتفاق افتقر للحاضنة الشعبية والسياسية إذ اعتبره الشارع السائد وقتئذن والقوى السياسية شرعنة للانقلاب وتخلٍ عن أهداف الثورة وأدى العجز عن بناء توافق سياسي وإصرار القادة العسكريين على احتكار القرار إلى تقدم عبد الله حمدوك باستقالته النهائية في 2 يناير 2022م تاركاً العسكريين في مواجهة فراغ تنفيذي وأزمة شرعية مستعصية وأمام انسداد الأفق وفشل الحكومة المكلفة من وكلاء الوزارات .. حينذاك انخرطت الأطراف السياسية برعاية دولية وإقليمية (عبر الآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد) في العملية السياسية وأثمر هذا المسار عن التوقيع على الاتفاق الإطاري في 5 ديسمبر 2022م المرتكز على مسودة الدستور الانتقالي المعد من نقابة المحامين وبينما استهدف الاتفاق مدنية السلطة وإبعاد الجيش عن السياسة ورحل خمس قضايا شائكة للمرحلة النهائية شملت: الإصلاح الأمني والعسكري وتفكيك نظام 30 يونيو والعدالة والعدالة الانتقالية وتنفيذ اتفاق السلام وقضية شرق السودان . #- المبادرة السياسية: في الفترة من يناير – يونيو 2022م اطلاقت الآلية الثلاثية وبعض الدول عملية سياسية (الامم المتحدة والاتحاد الأفريقي الإيغاد وأمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات ) وبدأت محادثات التسوية وإعلان العسكر التكتيكي الانسحاب من التفاوض لمناورة المدنيين .. وبعد لت وعجن في 5 ديسمبر 2022م تم التوقيع على الاتفاق الإطاري (المكون العسكري (SAF وRSF) وقوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي والمؤتمر الشعبي وتم وضع أسس السلطة المدنية وتأجيل ملف الإصلاح العسكري ودمج الدعم السريع . #- 15 أبريل 2023م اندلاع الحرب المسلحة الديش ضد قوات الدعم السريع انفجار مباشر للصراع عقب فشل التوافق على الترتيبات الأمنية بالاتفاق الإطاري الذي يعيد السلطة للمدنين . #- البعد الدولي والإقليمي: كان وما يزال للقرارات الاجرائية في 25 التوبر 2021م بعد دولي واقليمي تمثل في تجميد العضوية والعزلة الدبلوماسية والمالية حيث أحدثت قرارات 25 أكتوبر ردود فعل دولية وإقليمية حازمة تمثلت في سحب الشرعية الدستورية عن السلطة العسكرية وحرمانها من شريان الحياة الاقتصادي فقد اتخذ مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في 27 أكتوبر 2021م قراراً حاسماً بتجميد مشاركة السودان في كافة أنشطة ومؤسسات الاتحاد الافريقي وجاء القرار استناداً للمادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي والميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم واللذين ينصان على التجميد الفوري والمباشر لعضوية أي دولة تشهد تغييراً غير دستوري في نظام الحكم أو انقلاباً عسكرياً وعلى الرغم من المبادرات الدبلوماسية والجهود الإقليمية المدعومة من بعض الدول الأعضاء لإعادة قيد السودان فإن مجلس السلم والأمن القاري أبقى التجميد قائماً واستمر في التأكيد حتى هذا العام 2026م على عدم جواز رفع التعليق إلا بإعادة السلطة الانتقالية المدنية وإنجاز عملية السلام والاستقرار المؤسسي وعلى الصعيد المالي والاقتصادي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تعليق مساعدات مباشرة بقيمة 700 مليون دولار مخصصة للدعم الاقتصادي بالتوازي مع ذلك أوقف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات الغربية مشاريع إعفاء الديون بموجب مبادرة “هيبك” وتجميد التسهيلات الائتمانية والتمويلات التنموية وعادت الدولة السودانية للانهيار النقدي وفقدان سند العملة الوطنية والموارد بعد أن شهدت انفراجة قبل الانقلاب . #- خط التسبيب الهيكلي: كيف قادت إجراءات 25 أكتوبر مباشرة الي حرب 15 ابريل 2023م وامتدت الي الان حيث تكشف التحليلات العميقة للمسار السياسي للأزمة السودانية عن وجود رابط سببي هيكلي ومباشر بين إجراءات 25 اكتوبر وتفجر حرب 15 ابريل وامتداد تداعياتها المأساوية حتي الان وتكمن الرؤية التفكيكية لهذا المسار في حقيقة جوهرية هي أن المكون المدني ممثلا في تحالق الحرية والتغيير والقوي السياسية المناوئة للانقلاب كانت بمثابة حائط السد والممتص المؤسسي للصراع المكتوم بين الديش والدعم السريع حيث كانت خطوط الانقسام تُدار في إطار التنافس السياسي الشامل مع المدنيين حول إدارة الانتقال وتوزيع الملفات الادارية والاقتصادية وتطور الخلاف بعد ازاحة المدنيين حيث أرادت قيادة الديش استخدام القرارات كمدخل لإعادة ضبط وتأسيس النظام التقليدي للدولة واستعادة نفوذ المؤسسة العسكرية ونظام الانقاذ وقواه السياسية العنصرية بينما أدرك حميدتي تصاعد هذا الدور للإسلاميين والقيادات العسكرية والأمنية السابقة وهذا ما يهدد المستقبل التأسيسي للدولة ورفع الظلم السياسي والتنموي عن الاطراف فسعى بقناعة بعد دراسة متأنية للحصول على شرعية سياسية ودولية منفصلة عبر مناصرة الاتفاق الإطاري وتقديم نفسه كحامٍ للتحول الديمقراطي في مواجهة الجيش الذي إستعصي عليه الفطام من السلطة .. وعندما وصل مسار الاتفاق الإطاري في أوائل عام 2023م إلى القضايا المؤجلة وتحديداً ورشة الإصلاح الأمني والعسكري انفجرت أزمة القيادة والسيطرة والمدد الزمني لدمج قوات الدعم السريع داخل الجيش فبينما طالب الجيش بدمج سريع ومحكم تحت مظلة القيادة العامة في مدى لا يتجاوز عامين إلى ثلاثة أعوام تمسكت قيادة الدعم السريع بمدى يمتد إلى 10 سنوات وتدابير تضمن استقلالية الهيكل القيادي وهو الخلاف الهيكلي الذي استحال حله سياسياً ليتجه الطرفان نحو المواجهة المسلحة الشاملة في 15 أبريل 2023م . ويمثل المشهد الميداني والسياسي امتداداً مأساوياً لهذا الخلل مع استمرار النزوح واللجؤ والمآسي الإنسانية وانتهاكات القانون الدولي الانساني وهو ما يثبت قسر الواقع السياسي وتغيير الأطر الدستورية بالقوة العسكرية في 25 اكتوبر 2021م . #- الخاتمة والتوصيات الاستراتيجية تُثبت قراءة المسار الانتقالي في السودان أن إجراءات 25 أكتوبر 2021 لم تكن خطوات إصلاحية أو تصحيحية كما ادعت القيادة العسكرية بل كانت عملية تقويض قانونية وسياسية للسلطة الانتقالية وتسببت في هدم الأطر الدستورية الحاكمة وحل المؤسسات الانتقالية وخلق فراغ مؤسسي ممتد الي الان وأدت الإزاحة المباشرة للمكون المدني إلى عرقلة العملية السياسية وإزالة المصد المؤسسي الذي كبح جماح الصراع مما مهد الطريق بشكل لا لبس فيه نحو انفجار حرب 15 أبريل 2023م وتدهور الأوضاع الميدانية والإنسانية الشاملة المستمرة حتى الان وبناءً على هذه الرؤية المتكاملة نخلص إلى التوصيات الاستراتيجية التالية لمعالجة جذور الأزمة السودانية: * إعادة التأسيس الدستوري وإلغاء الآثار الانقلابية وإقرار الحقيقة القانونية القائلة بعدم شرعية أي تعديلات دستورية أحادية تم تنفيذها خارج أحكام المادة 78 من وثيقة 2019م وضرورة بناء هيكل دستوري جديد يعكس التوافق الشامل للقوى المدنية والثورية الحية . * إصلاح القطاع الأمني والعسكري كأولوية قصوى وصياغة برنامج شامل ومحدد لدمج جميع التشكيلات العسكرية ضمن جيش مهني وطني موحد عقيدته حماية الدستور والحدود مع نأي المؤسسة العسكرية كلياً عن النشاط السياسي والبيزنس الاقتصادي التجاري . * استعادة الشرعية الدولية والإقليمية عبر المسار المدني والبدء المباشر في ترتيبات تفضي إلى تشكيل حكومة انتقالية مدنية من كفاءات وطنية مستعدة لإدارة الدولة وإنجاز السلام كشرط أساسي ورئيسي لرفع تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي بموجب المادة 30 وإعادة اندماجه في المنظومة المالية الدولية . * علي القوي السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني الالتفاف حول الثوابت الوطنية والتمسك بها والحد الادني من المشتركات لتفويت الفرصة علي مغتصبي السلطة منزعي الشرعية . * تفعيل العدالة الانتقالية والمحاسبة والتأسيس لعملية عدالة انتقالية شاملة تحاسب المتسببين في الانتهاكات والجرائم المرتكبة والانقلابات على الإرادة الشعبية وضمان عدم الإفلات من العقاب لضمان تحقيق استقرار سياسي ومجتمعي مستدام في السودان . اوقفوا الحرب وعدوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات لا للحرب . شارك تصفّح المقالات حرب بلا سبب واستمرار بلا مبرر عندما تتجلّى الفلسفة في الوصف: حين يصبح الضابط هو الدولة