نبض نيوز : سحر علي

 

تحت أشجار النيم، التي كانت يومًا ساحة للعب والمرح، يجلس خالد (12 عامًا) ممسكًا قلمًا بلا حبر، يرسم به خطوطًا باهتة على كفّه. مشهد صامت يختصر مأساة جيل كامل في السودان، جيل حُرم من المدرسة، وتعلّق حلمه بالتعليم في فضاء حرب تجاوزت ألف يوم، وتهدد بمحو مستقبل البلاد التعليمي بأكمله.

كارثة بالأرقام

تكشف أحدث التقارير الصادرة عن منظمات أممية ودولية عن أبعاد غير مسبوقة لأزمة التعليم في السودان، إذ بات نحو 8 ملايين طفل خارج مقاعد الدراسة، أي ما يقارب نصف الأطفال في سنّ التعليم.

جيل بلا فصول.. كيف تهددت حرب السودان مستقبل التعليم وتدفع الملايين إلى العتمة
جيل بلا فصول.. كيف تهددت حرب السودان مستقبل التعليم وتدفع الملايين إلى العتمة

وتشير البيانات إلى أن متوسط حرمان الطفل السوداني من الدراسة بلغ 484 يومًا، متجاوزًا بذلك فترات إغلاق المدارس عالميًا خلال جائحة كورونا، ومسجلًا أطول تعطيل للتعليم في العالم.

ووفق التقديرات، أُغلقت أكثر من 6,400 مدرسة بشكل كامل، بينما تحولت 11% من المدارس إلى دور إيواء للنازحين في المناطق الأكثر تضررًا من النزاع. وفي ولاية شمال دارفور، لا تعمل سوى 3% من المدارس، في مشهد يعكس عمق الانهيار الذي طال قطاع التعليم في عدد من الولايات.

 

 مدارس تتحول إلى ثكنات

لم يقتصر الدمار على حرمان الأطفال من حقهم في التعلّم، بل طال البنية التحتية التعليمية ذاتها. فقد أفادت مصادر أممية بأن ثلث مدارس السودان لم تعد صالحة للاستخدام، نتيجة التدمير المباشر أو الأضرار الجسيمة.

كما تحولت مئات المدارس في المناطق الآمنة نسبيًا إلى مراكز لإيواء ملايين النازحين، فيما استُخدمت مدارس أخرى في مناطق النزاع كثكنات عسكرية أو مستودعات للأسلحة، مما أفقدها دورها كمكان آمن للتعليم.

مخاطر جسيمة 

 

تحذر إيفا هيندز، المتحدثة باسم اليونيسف في السودان، من أن الحرمان الطويل من التعليم يعرّض الأطفال لمخاطر جسيمة تهدد النسيج الاجتماعي للبلاد مستقبلًا.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذه التحذيرات بدأت تتحول إلى واقع مرير، حيث وجد آلاف الأطفال أنفسهم عرضة للاستغلال، أو الانخراط في أعمال خطرة، أو حتى الانضمام إلى أطراف النزاع المسلح.

 

ضغوط اقتصادية

مع اشتداد الأزمة الاقتصادية والانهيار المعيشي، دفعت ظروف الفقر العديد من الأسر إلى إرسال أطفالها إلى سوق العمل، أو تزويج بناتها في سنّ مبكرة، كوسيلة للبقاء.

وأثناء حرب أبريل، تحوّل عدد من الأطفال المحرومين من التعليم إلى وقود للصراع، في مؤشر خطير على العلاقة المباشرة بين غياب التعليم واستدامة العنف.

جيل بلا فصول.. كيف تهددت حرب السودان مستقبل التعليم وتدفع الملايين إلى العتمة
جيل بلا فصول.. كيف تهددت حرب السودان مستقبل التعليم وتدفع الملايين إلى العتمة

 

فقدان الوثائق

يقول الأستاذ هاشم عوض، معلم مرحلة الأساس، إن فقدان آلاف النازحين واللاجئين لشهاداتهم ووثائقهم التعليمية عقد فرص عودتهم إلى التعليم مستقبلًا.

وأضاف أن المعلمين أنفسهم يعيشون أوضاعًا قاسية بسبب النزوح، وتوقف الرواتب، وسوء الأوضاع الاقتصادية، ليجدوا أنفسهم، على حد وصفه، «بين كأسيّ الحرب والعطالة».

وتقدّر نقابة المعلمين نزوح أكثر من 8,000 معلم وأستاذ جامعي، فيما اضطر كثيرون إلى مغادرة المهنة نهائيًا. وتقول ندى سيد، وهي معلمة نزحت إلى الولاية الشمالية: «رواتبنا، إن وصلت، لا تكفي ليوم واحد في ظل التضخم».

 

جامعات على حافة الإغلاق

لم يكن التعليم الجامعي بمنأى عن الكارثة، إذ تضرر نحو 40% من مباني الجامعات والكليات جزئيًا أو كليًا، وأُغلقت أكثر من 100 جامعة حكومية وخاصة.

كما فقدت جامعات في دارفور وكردفان والخرطوم سجلاتها الأكاديمية بالكامل، فيما أدت هجرة الأساتذة وتدهور البنية التحتية إلى تراجع أعداد الطلاب.

أما الطلاب الذين لجؤوا إلى دول الجوار، فيواجهون تحديات إضافية. ففي مصر، تتراوح كلفة تعليم الطالب السوداني بين 21 و25 ألف جنيه مصري سنويًا، وهو عبء يفوق قدرة معظم الأسر النازحة، فضلًا عن تعرض بعض الطلاب لعمليات نصب عبر مؤسسات تعليمية غير معتمدة.

حلول محدودة

في محاولة للحد من الانهيار، دعمت منظمات دولية، مثل اليونيسف ومنظمة «أنقذوا الأطفال»، برامج التعليم الرسمي وغير الرسمي، واستفاد منها أكثر من مليوني طفل خلال العام الماضي، عبر إنشاء مساحات تعليمية آمنة.

جيل بلا فصول.. كيف تهددت حرب السودان مستقبل التعليم وتدفع الملايين إلى العتمة
جيل بلا فصول.. كيف تهددت حرب السودان مستقبل التعليم وتدفع الملايين إلى العتمة

كما ظهرت مبادرات محلية مبتكرة، مثل نظام التناوب الزمني بين المدارس في المناطق المكتظة بالنازحين.

غير أن هذه الجهود، وفق خبراء، لا تزال محدودة أمام حجم الأزمة. وتحذر إنجر آشينغ، رئيسة منظمة «أنقذوا الأطفال»، من أن النظام التعليمي في السودان مهدد بالانهيار الكامل دون تمويل عاجل لرواتب المعلمين، وترميم المدارس، وتوفير المستلزمات الأساسية.

مستقبل على المحك

يحذّر تربويون من أن ضياع جيل كامل من المتعلمين سيعمّق فجوة عدم المساواة، ويؤخر تعافي السودان لعقود مقبلة.

وتطالب نقابة المعلمين بتحرك عاجل يشمل وقف الحرب، وتحييد التعليم عن الصراع، وتشكيل لجنة وطنية محايدة لإدارة القطاع في ظل الظروف الاستثنائية.

 

وبينما يواصل خالد وأقرانه رسم أحلامهم على الأكف بدل الدفاتر، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل يترك السودان مستقبل أطفاله رهينة للحرب، أم تتكاتف الجهود لإنقاذ نظام تعليمي يوشك على الانهيار؟

الإجابة، وفق المراقبين، تبدأ بوقف إطلاق النار، وتمويل دولي مستدام، وخطة وطنية تعيد بناء الإنسان السوداني قبل أي شيء آخر.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *