منذ استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة في السودان عام 1989 ظل الخطاب السياسي مصحوبا بشعارات تمجد العنف وتقدس الدم وتلغي الانسان وكان من اخطر هذه الشعارات ترق منا الدماء او ترق منهم دماء او ترق كل الدماء وهو شعار لم يكن عابرا ولا حماسة وقتية بل تعبيرا صريحا عن عقيدة حكم قامت على العنف والاقصاء واستخدام القوة وسيلة وحيدة لادارة الدولة والمجتمع لسنوات طويلة ردد هذا الشعار في الساحات والمنابر دون مساءلة حتى ظنه البعض مجرد كلمات غير ان الواقع اثبت انه برنامج عمل كامل فالحركة الإسلامية لم ترفع يوما شعارا للحياة او للعدالة او للتعايش بل جعلت الدم مدخلا للسلطة واداة للاستمرار فيها وهو ما يتناقض مع قيم المجتمع السوداني ومع جوهر الدين ومع اسس الدولة الحديثة هذا الشعار في مضمونه خطاب تحريضي ارهابي يقوم على نزع انسانية الخصم السياسي ويشرعن قتله ويؤسس نفسيا واجتماعيا لارتكاب الجرائم الجماعية وهو ما تجسد فعليا في سياسات القمع والحروب والقتل خارج القانون حتى وصلت البلاد الى حرب 15 ابريل التي احرقت السودان وشعبه بلا رحمة وكشفت المعنى الحقيقي لشعار الدم حين سالت الارواح في المدن والقرى وتشرد الملايين وانهارت مؤسسات الدولة ان خطورة هذا الخطاب لا تقف عند حد الاخلاق او السياسة بل تمتد الى كونه جريمة قانونية قائمة بذاتها فالقانون الجنائي السوداني لسنة 1991 يقرر في المادة 63 المسؤولية الجنائية عن التحريض ويعتبر المحرض شريكا اصيلا متى ما ترتب على التحريض فعل اجرامي كما تنص المادة 186 على تجريم الجرائم ضد الانسانية بما في ذلك القتل واسع النطاق الموجه ضد السكان المدنيين كما يخضع هذا الخطاب لاحكام قانون مكافحة الارهاب السوداني لسنة 2001 وتعديلاته حيث تقرر المادة 5 تجريم كل قول او فعل او كتابة من شانها اثارة الرعب بين الناس او تعريض حياتهم وامنهم للخطر وتقرر المادة 6 عقوبات مشددة تصل الى السجن المؤبد او الاعدام لكل من يروج او يحرض او يساند خطابا يؤدي الى العنف المسلح او القتل الجماعي متى ما ترتب على ذلك ازهاق ارواح وعلى المستوى الدولي فان المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر اية دعوة الى الكراهية الدينية او السياسية تشكل تحريضا على العنف وتلزم الدول بتجريم هذا السلوك وتشدد اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية لسنة 1948 في مادتها 3 على تجريم التحريض العلني والمباشر وتعتبره جريمة دولية مستقلة ويؤكد نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 7 ان القتل والابادة والاضطهاد اذا ارتكبت في اطار هجوم واسع او منهجي ضد السكان المدنيين تعد جرائم ضد الانسانية وتقرر المادة 25 المسؤولية الجنائية الفردية لكل من حرض او ساهم او سهل ارتكاب الجريمة كما تقرر المادة 28 مسؤولية القادة السياسيين والتنظيميين عن نتائج خطابهم وتوجيهاتهم متى ما علموا او كان ينبغي لهم ان يعلموا بعواقبه وبذلك فان الشعارات التي تمجد سفك الدماء لا تعد فقط انحرافا اخلاقيا او خطا سياسيا بل تشكل جريمة فكرية وسياسية وقانونية مكتملة الاركان وتفتح الباب للمساءلة الجنائية الوطنية والدولية دون حصانة ودون تقادم ودون اعتبار لاي غطاء ايديولوجي او ديني ان التجربة السودانية اثبتت ان من يبدأ حكمه بخطاب الدم لا ينتهي الا بالدم وان الدول التي تدار بالشعارات الدموية لا تنتج الا الحروب والخراب والتشظي وما جرى في السودان لم يكن قدرا بل نتيجة مباشرة لثقافة عنف جرى ترويجها لسنوات واليوم يصبح واجبا وطنيا واخلاقيا وقانونيا تجريم هذا الخطاب ومحاسبة من انتجه وحمله وروج له حماية للمجتمع ومنعا لتكرار المأساة نواصل بمشيئة الله عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان التاريخ 10 فبراير 2026 شارك تصفّح المقالات الجميل الفاضل يكتب … “الرزيقات”، هل صاروا بعبعا للإسلاميين يا تري؟!