عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

 

السودان بلد فسيح بالموارد زاخر بالتنوع ممتلئ بالحكايات لكنه عاجز حتى اللحظة عن صناعة أبسط الأشياء صناعة متكاملة تحمل اسمه لماذا لا نجد على خبزنا ولا على ثيابنا ولا على دوائنا عبارة صنع في السودان ولماذا حتى السلام نفسه لم يخرج من رحم هذه الأرض ولم يولد بإرادة سودانية خالصة بل ظل دائمًا مستوردًا معلبًا مشروطًا هشًا سرعان ما ينهار

 

هذا العجز ليس فقر موارد ولا قلة عقول بل هو فقر توافق وانكسار إرادة وانقسام عميق بين أبناء الشعب السوداني انقسام تغذيه القروبات والمنابر والاصطفافات الضيقة حيث يتحدث الجميع ولا يسمع أحد ويجادل الكل ولا يتفق اثنان نعيش في وطن واحد لكن بعقول متفرقة وقلوب متباعدة وكل جماعة تظن أنها تملك الحقيقة كاملة وتتعامل مع غيرها كخصم لا كشريك

 

نسافر للعلاج خارج البلاد ونحتفل بشهر العسل خارج البلاد ونبحث عن الاعتراف والنجاح خارج البلاد كأن السودان لا يصلح إلا للحرب والموت وعندما نصنع الحرب نصنعها بإتقان وعندما نوزع الموت نوزعه بلا حساب حتى تصبح روح السوداني أرخص من قيمة الرصاصة هنا لا نتحدث عن مأساة عابرة بل عن خلل أخلاقي وفكري عميق وعن هروب جماعي من تحمل المسؤولية

 

منذ اندلاع حرب الجنوب والسودان يوقع اتفاقية تلو الأخرى في عواصم بعيدة أديس أبابا نيفاشا القاهرة أبوجا الدوحة وغيرها تتغير الأسماء والوسطاء ويبقى الجوهر واحدًا سلام بلا جذور واتفاق بلا مجتمع ونصوص لا تعالج جذور الأزمة فكانت النتيجة أن انتهت حرب الجنوب بالانفصال لا بالوحدة ثم اشتعلت جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وانتقلت النار إلى قلب الخرطوم نفسها وكأن الحروب تتناسل وتورث جيلا بعد جيل

 

المشكلة لم تكن يومًا في نقص الاتفاقيات بل في طبيعة الدولة نفسها دولة تقوم على الإقصاء لا الشراكة وعلى القهر لا العدالة وعلى الغلبة لا التوافق دولة تخاف من الحوار الحقيقي وتعتبر الاختلاف تهديدًا وتتعامل مع السياسة كمعركة صفرية لا كإدارة تنوع لهذا فشلت كل التسويات لأنها لم تخاطب إنسان السودان ولم تبن عقدًا اجتماعيًا جديدًا يعترف بالجميع دون استثناء

 

لماذا لا نتعلم من تجاربنا لماذا نكرر الأخطاء نفسها ثم نندهش من النتائج نفسها لماذا ننتظر دائمًا حلولًا من الخارج بينما نعجز عن الجلوس مع بعضنا البعض لماذا ننجح في إدارة خلافاتنا في الغربة ونفشل في إدارتها داخل الوطن أليس هذا السؤال وحده كافيًا لفضح عمق الأزمة

 

إن الأزمة ليست أزمة سلام فقط بل أزمة وعي وأزمة ثقة وأزمة مشروع وطني غائب نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الدولة وإعادة تعريف السياسة وإعادة تعريف معنى أن نكون سودانيين بحاجة إلى ثقافة حوار تحترم الاختلاف لا تخشاه وإلى قبول الآخر لا إلغائه وإلى اقتصاد يخدم الإنسان لا النخب وإلى تعليم يصنع العقل لا الطاعة وإلى بنية تحتية تبني الوطن لا السلطة

 

سيظل السودان غنيًا بموارده لكنه فقير بتوافقه وسيظل السلام حلمًا مؤجلًا ما لم نمتلك الشجاعة لصناعته بأيدينا ما لم نكتب عليه بصدق ووضوح صنع في السودان لا كشعار عاطفي بل كحقيقة نعيشها وإرادة ندفع ثمنها ووعي نحميه من الانقسام والتشظي لأن الأوطان لا تبنى بالاتفاقيات وحدها بل تبنى أولًا بالثقة بين أبنائها

نواصل

بمشيئة الله

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

بتاريخ

٧/فبراير /٢٠٢٦

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *