في ظل حرب الخامس عشر من أبريل وما رافقها من خطاب مضلل سعى لإعادة تعريف الصراع باعتباره مواجهة بين القوات المسلحة والدعم السريع تتكشف الوقائع يوما بعد يوم لتؤكد أن جوهر هذه الحرب لم يكن موجها ضد قوات الدعم السريع بعينها بقدر ما كان استهدافا مباشرا لثورة ديسمبر المجيدة وقيمها ومكتسباتها فكل من تمسك بشعارات الثورة أو ذكر الشعب بأسبابها أو استعاد ذاكرتها أصبح هدفا للتنكيل والملاحقة تحت غطاء القانون ومن هذا المنظور تأتي محاكمة الناشط المدني منيب عبدالعزيز كدليل قانوني وسياسي واضح على أن معركة السلطة لم تكن مع السلاح فقط بل مع الوعي الثوري ذاته إن ما جرى ويجري في محكمة دنقلا من إجراءات بحق منيب عبدالعزيز يمثل انحرافا خطيرا عن أسس العدالة وسيادة حكم القانون حيث مثل ناشط مدني أمام المحكمة وهو مكبل بالأغلال في قضية تتعلق بحرية التعبير والرأي دون وجود أي مبرر أمني أو خطورة جنائية وهو ما يشكل إهانة صريحة للكرامة الإنسانية وتقويضا لهيبة القضاء قبل أن يكون انتهاكا لحقوق المتهم ينص الإعلان الدستوري لجمهورية السودان لسنة ٢٠١٩ في المادة ٤٨ على أن الحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل جمهورية السودان تعد جزءا لا يتجزأ من هذا الإعلان كما تنص المادة ٥٦ على أن الحرية الشخصية مصونة ولا يجوز القبض على أي شخص أو حبسه أو تقييد حريته إلا وفق القانون وتنص المادة ٥٧ على أن لكل مواطن الحق في حرية التعبير وتلقي ونشر المعلومات والآراء دون قيود إلا ما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي وتنص المادة ٥٨ على أن للمواطنين الحق في التجمع السلمي والتنظيم وتكوين الجمعيات والنقابات وعلى المستوى الدولي فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة ١٩٦٦ والذي صادق عليه السودان ينص في المادة ٩ على أن لكل فرد الحق في الحرية وفي الأمان على شخصه ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا وتنص المادة ١٩ على أن لكل إنسان الحق في اعتناق آراء دون مضايقة والحق في حرية التعبير وتنص المادة ٢١ على أن يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا ما يفرض طبقا للقانون ويكون ضروريا في مجتمع ديمقراطي كما تنص المادة ١٤ على الحق في محاكمة عادلة وعلنية وعلى معاملة المتهم بكرامة واحترام إن الإصرار على تقييد منيب عبدالعزيز بالأغلال وعدم البت في طلب الضمانة رغم سقوط التهم ذات الطبيعة الأمنية يخالف هذه النصوص الدستورية والدولية ويكشف عن استخدام القضاء كأداة ضغط سياسي لا كمنصة لتحقيق العدالة ويعكس استمرار عقلية التنكيل بخصوم الرأي وتوجيه رسائل ترهيب للمجتمع بأسره مفادها أن استدعاء ذاكرة الثورة جريمة تستحق الإهانة والعقاب وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن القفز فوقها هل تحدث منيب عبدالعزيز عن الحرب الجارية لا هل دعا إلى العنف أو التحريض عليه لم يفعل هل أساء إلى القوات المسلحة السودانية أو طالب بمحاكمتها لم يقل ذلك ما الذي قاله منيب إذا لقد تحدث عن ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة الثورة التي أسقطت نظام الحركة الإسلامية وكسرت مشروعها الشمولي إن محاكمة منيب عبدالعزيز بهذه الصورة تثبت بلا أدنى شك أن الحرب التي أشعلتها الحركة الإسلامية لم تكن موجهة ضد الدعم السريع وحده بل كانت ولا تزال حربا ضد الثورة وضد الثوار وضد كل خطاب يفضح جذور الأزمة ويعيد الاعتبار لمطالب الشعب في الحرية والسلام والعدالة إن تحويل القضاء إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية عبر قوانين فضفاضة كقانون المعلوماتية أو مواد من القانون الجنائي يمثل انتكاسة خطيرة لمسار العدالة ويعيد إنتاج ذات الممارسات القمعية التي ثار عليها الشعب السوداني في ديسمبر وعليه فإن هذا البيان في شكل مذكرة قانونية يمثل إدانة قانونية وسياسية لما جرى في محكمة دنقلا ويطالب بوقف استخدام الأجهزة العدلية كأدوات للقمع وبإطلاق سراح منيب عبدالعزيز واحترام حقوقه الدستورية كاملة ويدعو كافة القوى القانونية والحقوقية والسياسية إلى الوقوف في وجه هذا الانحدار الخطير الذي يستهدف جوهر الثورة تحت ستار القانون. نواصل بمشيئة الل شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب : استفهام الجميل الفاضل يكتب … “الرزيقات”، هل صاروا بعبعا للإسلاميين يا تري؟!