عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

في لحظة تاريخية فارقة يمر بها السودان حيث تتداخل الحروب مع الانقسامات وتتشابك الأزمات السياسية مع المعاناة الإنسانية يصبح الحديث عن الوحدة الوطنية والوعي المجتمعي ليس ترفا فكريا بل ضرورة وجودية فالأمم لا تبنى بالقوة وحدها ولا تستقر بالسلاح وإنما تؤسس على وعي شعوبها وإيمانها المشترك بمصير واحد وعدالة جامعة وهوية وطنية تتسع للجميع

 

إن بناء دولة سودانية قوية ومستقرة يبدأ بإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان السوداني بوصفه محور العملية السياسية وغايتها فالوعي المجتمعي هو السلاح الحقيقي في مواجهة خطاب الكراهية والقبلية والجهوية وهو الحصن الذي يحمي البلاد من الانزلاق المتكرر نحو الاحتراب الداخلي لذلك يصبح التعليم والتثقيف الوطني أولوية قصوى عبر مناهج دراسية وإعلام مسؤول يعزز قيم المواطنة المتساوية ويرسخ ثقافة التسامح والتعايش والاحترام المتبادل

والوحدة الوطنية لا تتحقق بالشعارات بل بإجراءات عملية تعيد الثقة بين مكونات المجتمع وذلك عبر حوار وطني شامل لا يقصي أحدا ويضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والقبلية حوار يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة وتقاسم السلطة والثروة بصورة منصفة ويعترف بالتنوع الثقافي والعرقي باعتباره مصدر قوة لا سبب صراع

 

إن إنهاء الحروب في السودان يتطلب معالجة جذورها لا الاكتفاء بإيقاف مؤقت لإطلاق النار فالحروب تغذيها المظالم التاريخية والتهميش وضعف مؤسسات الدولة وغياب العدالة لذلك فإن الحل المستقبلي يكمن في بناء دولة قانون تحاسب من يرتكب الجرائم أيا كان موقعه وتحقق العدالة الانتقالية وجبر الضرر للضحايا في المجتمع عبر برامج واضحة لنزع السلاح والتسريح

 

كما أن تفكيك بنية العسكرة في السياسة يمثل خطوة أساسية نحو الاستقرار فالدولة المدنية لا تعادي المؤسسة العسكرية لكنها تعيد تعريف دورها في حماية الحدود وصون الدستور دون التدخل في الحكم ويتم الوصول إلى ذلك عبر انتقال سياسي متفق عليه يقوم على انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة مستقلة وقضاء مستقل وإصلاح شامل للمؤسسات الأمنية بحيث تخضع للسلطة المدنية المنتخبة

 

والضغط الشعبي السلمي الواعي يمثل أداة مشروعة لدفع عملية التحول الديمقراطي إلى الأمام عبر تنظيم المجتمع المدني والنقابات والروابط المهنية في إطار سلمي منضبط يرفض العنف ويطالب بالحقوق الدستورية كما أن الدعم الإقليمي والدولي يمكن أن يكون عاملا مساعدا إذا استند إلى احترام سيادة السودان ودعم خياره المدني الديمقراطي لا فرض الوصاية عليه

 

مكافحة القبلية والعرقية تقتضي سياسات تنموية عادلة ترفع التهميش عن الأقاليم وتحقق توازنا في الخدمات والبنية التحتية والفرص الاقتصادية فحيثما وجدت العدالة تقلصت أسباب الصراع وحيثما شعر المواطن بالمساواة أمام القانون تراجعت دعوات الانقسام

 

إن الطريق إلى سودان بلا حروب يمر عبر بناء وعي جديد يؤمن بأن الوطن أكبر من القبيلة وأوسع من الحزب و السلطة وعي يؤسس لدولة مواطنة لا دولة امتيازات ويجعل من السلام خيارا استراتيجيا لا هدنة مؤقتة ومن الديمقراطية ممارسة يومية لا شعارا موسميا

 

بهذا الوعي وبهذه الإرادة يمكن للسودانيين أن يطووا صفحة الدم ويكتبوا فصلا جديدا عنوانه دولة مدنية عادلة موحدة يسودها القانون وتحكمها إرادة الشعب وتصان فيها كرامة الإنسان

نواصل

بمشئة الله

عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

بتاريخ

٢٢/فبراير/٢٠٢٦

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *