عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان الأحزاب السياسية السودانية ظلت جزءا أصيلا من تشكيل الوعي الوطني وصياغة الخطاب العام لكنها اليوم تقف أمام سؤال جوهري يتعلق بقدرتها على توحيد الصف الوطني لا الاكتفاء بترديد الشعارات لقد أثبت التاريخ أن قوة العمل السياسي لا تقاس بعدد اللافتات ولا بعدد البيانات بل بقدرته على بناء مشروع جامع يلتف حوله الناس في اللحظات المفصلية عندما توحد الشعب السوداني في ثورة أكتوبر 1964 في السودان لم تكن الغلبة لكيان بعينه بل كانت للإرادة الشعبية التي تجاوزت الاصطفافات الضيقة وفي أبريل 1985 تكرر المشهد حين التحم الشارع بقواه الحية ففرض واقعا جديدا أكد أن وحدة الهدف تصنع التحول أما في ديسمبر المجيدة 2018 فقد قدم السودانيون نموذجا ملهما في السلمية والتنظيم والصبر وأثبتوا أن الجماهير حين تتوحد تسبق الأحزاب وتدفعها نحو التغيير غير أن الدرس المؤلم الذي كشفت عنه حرب 15 أبريل هو أن غياب الرؤية الموحدة يفتح الباب واسعا أمام منطق السلاح حين تعجز القوى السياسية عن بناء جبهة مدنية متماسكة تتقدم القوى المسلحة لملء الفراغ وتصبح البلاد رهينة لمعادلات القوة على الأرض لا لمبادئ الدولة المدنية الديمقراطية أليس من حق الشعب الذي أسقط أنظمة في 1964 و1985 و2018 أن يرى من قواه السياسية قدرا مماثلا من الشجاعة في التوحد حول برنامج وطني واضح أليس من الواجب أن تتحول دروس الثورات إلى ميثاق عملي لا إلى ذكريات يستدعى وهجها عند الحاجة الخطابية فقط إن العتاب هنا ليس تجريحا بل تذكير بمسؤولية تاريخية فالناس الذين خرجوا في الشوارع وضحوا بأرواحهم لم يفعلوا ذلك ليعودوا إلى مربع الانقسام والتنافس على المواقع لقد تغير السودان بعد الحرب وتغير معه شعبه فالمعاناة الواسعة والنزوح والدمار أعادت تشكيل وعي جمعي أكثر حساسية تجاه قضايا العدالة والكرامة وأكثر رفضا للمساومات التي تنتقص من حلم الدولة المدنية إن الشعب السوداني بعد الحرب ليس هو الشعب الذي كان قبلها وهو اليوم أكثر إدراكا لكلفة الانقسام وأكثر مطالبة بقيادة سياسية على قدر التحدي إن اللحظة الراهنة تستدعي مراجعة صادقة تتجاوز الحسابات القصيرة وتضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار تنظيمي المطلوب ليس المزيد من البيانات بل رؤية مشتركة تعيد تعريف الدور السياسي بوصفه تنظيما لإرادة الشعب لا وصاية عليها وتستفيد من تلاحم السودانيين في ثوراتهم السابقة لبناء جبهة مدنية موحدة تقف في وجه عسكرة الدولة وتعيد الاعتبار لمسار التحول الديمقراطي فهل تلتقط القوى السياسية هذه الإشارة وتتعلم من دروس أكتوبر وأبريل وديسمبر ومن مأساة أبريل الأخيرة أم تترك التاريخ يعيد نفسه بثمن أشد قسوة إن الإجابة لم تعد ترفا سياسيا بل شرطا لبقاء الوطن نفسه. نواصل بمشيئة الله عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ٢١ /فبراير 2026 شارك تصفّح المقالات عبد المنعم سليمان يكتب ..السودان: حين تصبح المُسيَّرات أداة للإبادة وصناعة العدم