طيف أول:

للنور الذي ارتبك من زيف الشرفات،

وللأمنيات التي عادت مضرّجةً من لجج الارتياب.

وقد لا يكون ظهور محمد حمدان دقلو من النافذة الأوغندية مجرد دعوة من الرئيس موسيفيني، ليتحدث عن الدور الإفريقي ويقلّل من الدور العربي، وأوغندا قد لا تلعب دورًا منفردًا. فحميدتي الذي لاقى استقبال الرؤساء، وحظيت زياراته باهتمام إعلامي كبير، وعقد مؤتمرًا صحفيًا، وحُشدت له القاعات بالجماهير، كشفت زياراته عن ملامح أيادٍ أقوى من الدعم السريع تقف خلف الزيارة، اتخذت لها موقعًا خلف الكواليس.

فأوغندا ربما تتحرك ضمن شبكة أوسع تتقاطع مع مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، في دور مشترك قد يهدف إلى إعادة تشكيل التحالفات الأمنية والسياسية في شرق إفريقيا، بما يخدم المصالح الغربية والإقليمية الحليفة.

وليس ببعيد أن تكون أوغندا واجهة سياسية، سيما أنها تُعد من أقوى الحلفاء الأفارقة لإسرائيل منذ عقود، والعلاقة بين موسيفيني وتل أبيب علاقة متينة. وهي التي رتّبت من قبل لقاء البرهان مع بنيامين نتنياهو في عنتيبي عام 2020، ذلك اللقاء الذي فتح باب التطبيع مع إسرائيل.

ومن المنطقي أن يُقرأ دخول أوغندا كوسيط على أنه بوابة لدور غير معلن، فإسرائيل تملك نفوذًا في واشنطن والأمم المتحدة،

 

وقد تكون هي القوة التي تمنح حميدتي الثقة ليضع شروطًا بهذا الحجم. لذلك فإن وساطة أوغندا قد تكون في الواقع غطاءً دبلوماسيًا لدور إسرائيلي غير معلن، تمامًا كما حدث في لقاء عنتيبي بين برهان و نتنياهو.

وهذا يعزز احتمال أن البرهان يسعى عبر مالك عقار إلى طلب القبول من قوة أكبر عبر قناة أقل حساسية (أوغندا).

وإسرائيل ليست بعيدة عن لعب دور الوساطة؛ فقد أشارت تقارير صحفية من قبل إلى أنها حاولت بالفعل لعب دور مباشر في الوساطة بين البرهان وحميدتي، حيث عرضت استضافة محادثات بينهما في تل أبيب. لذلك فإن وساطة أوغندا ليست مجرد مبادرة إقليمية، بل قد تكون جزءًا من شبكة أوسع تشمل إسرائيل والولايات المتحدة، خصوصًا في ظل الحديث عن مشاريع قرارات في مجلس الأمن.

ووقوف حميدتي على منصة الحديث يكشف أن الرجل يتحدث من موقع قوة؛ فكشفه أو فضحه لمالك عقار وطلبه من أوغندا الوساطة بينه وبين البرهان وحده يكفي لتحديد ميزان القوة. لكن ثمة مؤشرات أخرى تؤكد أن حميدتي لا يتحدث من موقعه كقائد للدعم السريع وحسب، بل يستند إلى جدار خفي.

 

ومن تلك المؤشرات: تقليله للدور العربي، سيما الدور السعودي، ورفضه لمقترح الدمج، وحديثه عن إنشاء جيش جديد. فهو بذلك يضع قواته في خانة التساوي مع القوات المسلحة، وكأن هناك جيشين متكافئين يتفاوضان، لا جيشًا واحدًا له خيار الرفض أو القبول لدمج قوات متمردة. كما أن الخطاب يهدف إلى تثبيت قوات الدعم السريع ككيان شرعي له الحق في التفاوض على مستقبل الدولة، لا مجرد قوة يجب تفكيكها.

فهو بذلك يرسل رسالة أنه ليس مضطرًا للرضوخ للضغوط العربية، وحتى للقوى الدولية، بأنه ليس طرفًا ضعيفًا، بل قوة قادرة على فرض شروطها. “جبنا كولومبيين يعني شنو” وهذا ما يعزز وجود داعم بديل يمنحه الثقة ويجعله لا يرى نفسه مجرد طرف متمرد، بل سلطة موازية. وهذه الثقة لا تُكتسب إلا بوجود دعم دولي أو إقليمي.

وإسرائيل تملك نفوذًا في واشنطن والأمم المتحدة، وقد تكون هي القوة التي تمنح حميدتي الثقة ليضع شروطًا بهذا الحجم. ولها أكثر من دافع يضعها في موقع الداعم الخفي لحميدتي؛ فهي تبحث عن نفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والسودان في موقع استراتيجي. وحميدتي يسيطر على أغنى رقعة بالموارد والذهب، ما يجعله شريكًا مغريًا لإسرائيل في مواجهة النفوذ الإيراني أو حتى لتوازن الدور العربي.

 

فوجود إسرائيل خلف الكواليس يفسر لماذا يتحدث حميدتي وكأنه يملك أوراقًا أكبر من مجرد دعم إقليمي محدود، وكأنه يخاطب البرهان الذي يستند إلى دعم مصر والسعودية، بأن لديه دعمًا من قوى أخرى، ليس الإمارات وحدها، وربما إسرائيل عبر أوغندا.

لذلك ذكرنا في فاتحة المقال أن ظهور حميدتي عبر النافذة الأوغندية أكبر من مجرد ظهور قائد لبّى دعوة رئيس دولة وسيذهب إلى حال سبيله. فهذا الخطاب يؤكد أن الحرب السودانية أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية ودولية، حيث يرى كل طرف خارجي في السودان ساحة نفوذ مرتبطة بمصالحه.

 

طيف أخير:

لا للحرب

رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان: (أي وقف لإطلاق النار لن نقبل به إلا بعد انسحاب “الميليشيا” من المناطق التي تحتلها، ولا هدنة إلا بعد تنفيذ هذا الشرط).

فإذا انسحبت قوات الدعم السريع من المدن والمناطق فلا داعي للهدنة، فالانسحاب يجعلها خارج ميدان الحرب، ويساعد ذلك تلقائيًا في دخول المساعدات!!

 

الجريدة

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *