منعم سليمان

 

لم يفقد الجيش السوداني مكانته في وجدان السودانيين بسبب الهزائم الميدانية وحدها، بل نتيجة مسار طويل من الإخضاع السياسي الذي جرّده من استقلاله المهني.

 

ومنذ وصول الإسلاميين “الكيزان” إلى الحكم عبر انقلاب 1989، جرى توجيه المؤسسة العسكرية تدريجياً لتخدم مشروعاً تنظيمياً ضيقاً، لا مفهوماً وطنياً جامعاً.

 

وهكذا تحولت الثكنات إلى ساحات نفوذ حزبي، وتراجع معيار الكفاءة أمام معيار الولاء.

 

بدأت العملية بإعادة هندسة مراكز القرار الحساسة، خصوصاً تلك المرتبطة بالمال والتخطيط. أُقصيت شخصيات مهنية، وصعدت عناصر تدين بالانتماء الفكري قبل الالتزام العسكري. ومع مرور الوقت تبدلت وظيفة القيادة: من حماية الحدود إلى إدارة شبكات استثمارية معقدة تتداخل فيها المصالح الخاصة مع السلطة العامة. نشأ بذلك اقتصاد موازٍ تحرسه الرتب الرفيعة، وتتحرك أمواله خارج القنوات الرسمية.

 

وتحت عناوين السيادة والأمن توسعت أنشطة ذات طابع احتكاري، مستفيدة من غياب الشفافية وضعف الرقابة.

 

واستُخدمت بعض المرافق الحساسة لتسهيل حركة موارد معدنية بعيداً عن أعين الدولة، في نمط أقرب إلى التحالف بين السلطة والسوق الخفي. ولم يعد الأمر تجاوزات فردية، بل منظومة متكاملة توفر الحماية والتغطية، وتحول الزي الرسمي إلى غطاء لمصالح ضيقة.

 

وكانت النتائج الاجتماعية فادحة. ففي مقابل تراكم ثروات لدى فئة محدودة، ظل صغار العسكريين يواجهون تدهوراً في الأجور والخدمات. وقد أضعف هذا التفاوت الحاد الروح المعنوية، وعمّق الشعور بالغبن داخل الصفوف.

 

ومع تضخم القيادات المرتبطة بالمشروع الأيديولوجي الإخواني الكيزاني السوداني، تراجعت الفاعلية القتالية، وتقدمت الحسابات الشخصية على مقتضيات الميدان. وعندما عجزت المؤسسة عن حماية المدنيين في لحظات الخطر، اهتزت صورتها في نظر المواطنين.

 

سياسياً، أفضى هذا المسار إلى إغلاق أفق التحول الديمقراطي. فلا معنى لحكومة مدنية لا تملك الإشراف الكامل على الموارد العامة، ولا تستطيع إخضاع الأجهزة النظامية لسلطة القانون والمراجعة. وحين يجتمع السلاح والمال في يد شبكة عسكرية فاسدة ذات ارتباطات أيديولوجية، يصبح الانتقال شكلياً، وتتحول الدولة إلى كيان مزدوج: ظاهر رسمي، وباطن تحكمه مصالح مغلقة.

 

إن استعادة الثقة تتطلب قطيعة واضحة مع هذا الإرث. فالإصلاح يبدأ بفصل النشاط الاقتصادي عن القوات النظامية، وإخضاع كل الإيرادات لوزارة المالية والجهات الرقابية، ومنع العمل الحزبي داخل المؤسسة. كما يقتضي إعادة الاعتبار لمعيار المهنية، بحيث يكون الترقي قائماً على الكفاءة لا الانتماء.

 

غير أن كل ذلك لن يحدث في ظل هذا الجيش بصيغته الحالية. فقد اتسع الفتق على الرتق، وأصبح لا بد من تأسيس وطني مهني جديد بعقيدة وطنية خالصة.

 

إن الجيوش، في جوهرها، مؤسسات وطنية يفترض أن تقف على مسافة واحدة من الجميع. أما بقاؤها على حالها، مثل هذا الجيش الذي يعيش تحت قبضة الكيزان، فلن يعني سوى استمرار الضعف، وتكرار الإخفاق، والتفريط في سيادة البلاد، وتعميق الفجوة بين الجيش والشعب الذي يفترض أن يحميه.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *