بقلم: عمار سعيد

 

في اللحظات المفصلية من التاريخ، تتحدد ملامح العالم الجديد عبر المواقف الواضحة لا عبر العبارات الرمادية. وحين تعلن الولايات المتحدة الأمريكية حربها على الإرهاب العابر للحدود، فإن معركة كهذه لا تخص دولة بعينها، بل تمس أمن النظام الدولي بأسره. واليوم، من قلب السودان، تبرز حقيقة ينبغي أن تُقال بوضوح: إن هذه الحرب ليست حربكم وحدكم، فنحن أيضاً في الخطوط الأمامية لها.

 

في السودان، تخوض قوات تحالف تأسيس معركة وجودية ضد أحد أخطر أشكال الإرهاب المنظم في المنطقة: شبكة الإسلام السياسي المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين، والتي نجحت خلال ثلاثة عقود في التغلغل داخل مفاصل الدولة السودانية وبناء منظومة معقدة من النفوذ السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي.

 

لم يكن ذلك النظام مجرد سلطة سياسية عابرة، بل كان مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود. لقد تحولت الدولة السودانية خلال تلك العقود إلى قاعدة متقدمة لشبكات التطرف في المنطقة، حيث أُنشئت مصانع التصنيع الحربي، وتم تطوير قدرات عسكرية لم تكن موجهة فقط للدفاع الوطني، بل كانت جزءاً من شبكة إقليمية لتغذية النزاعات وتسليح الجماعات المتطرفة.

 

وكما قال أحد المفكرين في تحليل ظاهرة التطرف السياسي:

 

“الإرهاب لا يولد فجأة، بل ينمو داخل مؤسسات الدولة عندما تختطفها الأيديولوجيا.”

 

لقد كان التعاون بين النظام السوداني السابق والنظام الإيراني أحد أكثر التحالفات العسكرية عمقاً في تاريخ المنطقة. لم يقتصر هذا التعاون على العلاقات الدبلوماسية، بل شمل التنظيم والتدريب والتمويل والتصنيع العسكري. كانت طهران ترى في الخرطوم بوابة استراتيجية لنفوذها في أفريقيا والبحر الأحمر، بينما وجد النظام السوداني في هذا التحالف سنداً أيديولوجياً وعسكرياً.

 

حتى إن بعض الصادرات الزراعية السودانية كانت تُستخدم في ترتيبات مقايضة عبر شركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية، في شبكة تبادل تعكس مدى تشابك الاقتصاد والسياسة والأمن في هذا التحالف. ولم يكن من قبيل الصدفة أن العديد من السفراء الذين مثلوا السودان في إيران كانوا من أبرز الكوادر الإسلامية والأمنية المرتبطة بذلك المشروع.

 

ومع اندلاع الحرب الحالية في السودان، دخل الصراع مرحلة أكثر خطورة. فقد ظهرت تقنيات وأساليب قتال تعكس انتقال الصراع إلى مستوى جديد، خصوصاً مع دخول الطائرات المسيّرة القتالية من طراز “شاهد” التي أصبحت إحدى أدوات الحرب الحديثة في المنطقة.

 

وتشير العديد من المعطيات إلى أن تشغيل هذه المنظومات تم عبر شبكات مرتبطة بكتائب عقائدية مثل كتائب البراء بن مالك، وهي تشكيلات جهادية عقائدية تشكل امتداداً تنظيمياً وأيديولوجياً لمشروع الإسلام السياسي المسلح.

 

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في طبيعة السلاح المستخدم، بل في البنية الفكرية والتنظيمية التي تدير هذه الحرب. فالسودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبح نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية تسعى إلى إعادة إنتاج منظومة التطرف ذاتها التي عانت منها شعوب المنطقة لعقود.

 

ولهذا أعلنت حكومة السلام والوحدة بوضوح أن معركتها ليست مجرد صراع على السلطة، بل حرب على الإرهاب المنظم. وقد صدرت مراسيم وتشريعات واضحة تؤكد هذا التوجه، في إطار رؤية أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس العدالة وسيادة القانون.

 

كما جاء في أحد خطابات الحكومة:

 

“لا يمكن بناء دولة السلام فوق أنقاض الإرهاب، ولا يمكن أن تزدهر الحرية في ظل السلاح العقائدي.”

 

إن قوات تحالف تأسيس اليوم تقوم بدور محوري في مواجهة تمدد هذا “السرطان العابر للحدود”، الذي يهدد ليس السودان وحده، بل يمتد خطره إلى دول الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا والقرن الأفريقي. فالتجربة أثبتت أن الجماعات المتطرفة حين تجد موطئ قدم في دولة ما، فإنها تتحول بسرعة إلى مصدر عدم استقرار إقليمي.

 

وقد حذر خبراء الأمن الدولي مراراً من أن الفراغات الأمنية في أفريقيا يمكن أن تتحول إلى مساحات تمدد للشبكات المتطرفة. ولهذا فإن المعركة الجارية في السودان ليست مجرد صراع محلي، بل جزء من معركة أوسع لحماية الاستقرار الإقليمي والدولي.

 

إن رسالة السودان اليوم إلى المجتمع الدولي، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، هي رسالة واضحة:

 

إننا نقاتل في الجبهة ذاتها.

 

نقاتل من أجل أن يستعيد السودان دولته من قبضة الأيديولوجيا المسلحة.

نقاتل من أجل أن يعود القرار السياسي إلى الشعب لا إلى التنظيمات السرية.

نقاتل من أجل أن تصبح مؤسسات الدولة أدوات خدمة عامة لا أدوات قمع أيديولوجي.

 

وكما قال الزعيم الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت:

 

“السلام لا يصنعه الصمت، بل يصنعه أولئك الذين يواجهون الخطر دفاعاً عن الحرية.”

 

إن مشروع تحالف تأسيس لا يسعى إلى استبدال سلطة بسلطة، بل إلى بناء دولة جديدة تقوم على العدل والسلام والحرية والديمقراطية. دولة يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية لا أداة أيديولوجية، ويكون فيها القانون أعلى من التنظيمات، ويكون فيها الشعب مصدر الشرعية الوحيد.

 

قد تكون الطريق طويلة، لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها لا يمكن أن تُهزم.

 

واليوم، بينما يخوض العالم معركته ضد الإرهاب، فإن السودان يعلن بوضوح:

 

نحن جزء من هذه المعركة.

ونحن أيضاً نقاتل من أجل عالم أكثر أمناً وعدلاً.

 

ولهذا نقول لواشنطن، وللعالم أجمع:

 

في حربكم ضد الإرهاب… لستم وحدكم.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *