في حرب مركز السودان ، الحرب اللعينة و العبثية ، حرب الخرطوم أم القري السُّودانية التي تطاول امدها و ما تزال . . . الخرطوم الأم التي بخلت علي بنيها من مدن و قري بالتَّطوُّر و التَّقدُّم باستحواذها على كلِّ المُقدَّرات المادية و البشرية من تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ و ثقافية و حتي البشرية . . . أبت الأُمُّ و يا لها من أمٍّ غير الأمهات اللائي نعرف ، أبت الخرطوم أن ترفد أطراف السُّودان بالتَّخطيط السَّليم لتوزيع وتوازن الفرص التَّنموية حسب متوفر الموارد أياً كانت و ما أكثرها و تنوعها . . . لم تهتم بالبنية التَّحتيَّة من طرقٍ و طاقةٍ لتشجع المستثمر ورأس المال المحلي و الأجنبي ، فانحصرت الخدمات و الصِّناعات من أَصغرها و حتي الصِّناعات التَّحويليَّة الكبري كُلَّها في الخرطوم .

و الخرطوم هي القيادة السِّياسيَّة و التَّنفيذيَّة المتعاقبة و المتوارثة و المتجدِّدة و التي ما انفكت منكفئةً في وحل بخلها الذي أبان عيوبها و فشلها و تنفيذ أجندتها و برامجها بالاستقلال الغبيُّ للمؤسَّسة العسكريَّة حتي صَدَّق العسكر أَنَّهم هم الوطن والوطنية ، وأنَّهم طوق النَّجاة والرَّافعة من وحل و فشل السِّياسيين مِمَّا جعل حكم العسكر في مجمله يتجاوز ال ٥٨ عاماََ تقريباً من عمر استقلال السُّودان كلَّها قتلٌ و تنكيلٌ وإبادةٌ وحروبٌ لواجهاتٍ وأجندة سياسيَّة ضد الشُّعوب السُّودانيَّة نفسها ولحكم ذات الشعوب !!!!

الخرطوم بخِلْيَةٌ ، و بقصدٍ تستخدم موارد الأطراف تستغلها و تمتَنَّ على الأطراف بفتات الموائد وفاشل المشروعات والمشروعات الفاشلة تأتي بعد أن يحمل أهل الأطراف السِّلاح وليت السَّلاح انتصر علي بخل الأم الخرطوم بل للأسف عملت الأم ببخلٍ متجزِّر على فصلِ جزءٍ عزيزٍ قدَّمت فيه أرواح وأنفس أبناءها ، ما كان لها أن تزهق هذه الأنفس ولكنه شُحَّ النَّفس السِّياسيَّة البخيلة ، انفصال جنوب السُّودان

مثالٌ للمشروعات الكذوب نسيج انزارا ، غزل ونسيج كادقلي ، البان بابنوسة ، تجفيف البصل كسلا ، و التَّعليب في كريمة ، وغيرها من مشروعات التَّرضية السِّياسيَّة الكذوب والآن هي اطلالٌ شاهدةٌ على الفشل السِّياسي والضحك على الناس ، علي سبيل المثال لا الحصر .

ومؤسَّسات التَّعليم والصحة التي تأَخَّرت كثيراً وجاءت الآن لا حَوْلَ لها ولا قُوَّة جُلَّ أساتذتها يعملون بالمقطوعيات مثل جامعة الفاشر و دنقلا وكردفان والدلنج وكسلا والإمام المهدي وكوستي ، وغيرها من المؤسَّسات الخدميَّة والتَّعليميَّة التي ينقصها الكثير الكثير .

أما المؤسَّسات ذات الطَّابع السِّياسي كالمجالس التَّشريعيَّة والإدارات التَّنفيذيَّة بالاقاليم والولايات والمحافظات ، مواعين تكلَُُّسٍ و تحجيرٍ للقيادات مسلوبة الإرادة كسيحة غير قادرة علي الحركة بفعل فاعل ، والحكم الولائي والاقليمي بمختلف مؤسَّساته لا حَولَ لها ولا قُوَّة في اتخاذ القرار ، والإدارة تتحرَّك بالرِّيموت من الخرطوم الأم البخلية ممَّا خلق حالةَ خمولٍ وضمورٍ في التَّفكير والرُّؤي فقط تنتظر مركز الخرطوم ورؤيته و رضي القيادة عن القيادة الولائيِّة والاقليميِّة والمحلية المطيعة ، فضلاً عن مُلَاليَمَةٍ التي لا تسمن ولا تغني من جوع – الإِمرة التَّنظيميَّة والسِّياسية البخلية الشَّحيحة علي العقول بالازدهار والابتكار والمبادرة وتطوير الذَّات الجغرافية لتنداح قيادةً مُبَادِرةً وثابةً مبتكرة ، وذلك أمرٌ ممنوعٌ على الأطراف إلَّا الخرطوم – محل الرَّئيس بنوم والطَّيارة بتقوم ، عليها أن تفكِّر وتُخَطِّط و تشرِّع وتحدِّد كيف التَّنفذ .

إنَّ أسباب الحرب كثيرةٌ متراكمةٌ و الغبن عميقٌ ، جبهة نهضة دارفور واتحاد عام جبال النوبة وواجهات شرق السودان ، والحرب تخلَّقت و تلوَّنت وتشكلَّت متتخذة بُعداً رُبَاعياً وتخلَّقت لحربِ حقدٍ وكراهيَّةٍ وعنصريَّة وشراء ذممٍ واستغلالِ حاجاتٍ وذبحٍ ، وقتلٍ في غير ميدان المعركة والحرب اضبحت وأمست حربُ رميٍ بالمثقلات في البحر والتُّرع وتهشيم الرُّؤوس والضَّرب بالرَّصاص علي المُهَشَّم رأسه وسَوْقُ النَّاس بالحبال كأَنَّهم أنعامٌ ورميهم في البحر وقتلهم بالرَّصاص ، أيضاً ، وهم في جوف الماء وغيرها من الأساليب . وقانون الوجوه الغريبة وفِرْيَةِ المتعاونين الذين حالت ظروفهم دون مغادرة قراهم ومدنهم وفَضَّلوا التَّعايش مع الوضع ، مكرهين أَيَّاً كان ، لتسير حياتهم بأقل من القليل ومرَّاتٍ غير القليل المتوفر لشهور ، وغيرها من الأساليب وأشكال التَّشكُّل والتَّلوُّن والتَّحوُّل كأَنَّما الذين اشعلوا الحرب وسعَّروها عندهم صكٌ بَرَاءةٍ ملكية لكلِّ مكونات التَّباين للشعوب السُّودانيَّة .

وكلُّ هذا ، وحرب الخرطوم اشعلها الطَّمع في السُّلطة والعمل على استعادتها بأنفسِ النَّاس الغاليَّة علي أصحابها والأغلى عند ربِّ العباد الذي حَرَّمَ قتلَ النَّفس إلَّا بالحقِّ ، وهل استعادت السُّلطة المنزوعة بأَمر اللهِ مالك الملك ، ضرورية بحمل السِّلاح وإزهاق أرواح المواطنين المراد حكمهم؟ هل الممارسة السِّياسيَّة تُبِيَح استعادة السُّلطة بالبندقية؟ هل عَدَا x ، و x ، و x ، و x ممنوع من الممارسة السِّياسة – الآنية الانتقالية سُبَّةٌ لإشعال نار الحرب؟ هل تجييش النَّاس والدَّفع بهم إلى ميدان المعارك لاستعادة الملك المنزوع أَمرٌ مشروعٌ شرعاً؟ وغير ذلك من الأسئلة الحيرى لا إجابة لها إلَّا لغة البندقية التي اقعدت البلاد والعباد ، ارجعتهم للخلف سنين عَدَدَاً للاسف ، والخرطوم الظالمة للهامش والمُتَسَلِّطة عليه تسيُّداً وتكميماً للأفواه وعدم السَّماح بعلوِ صوتِ الحقوق . والخرطوم تصفُ المطالبة بالحقوق السِّياسيَّة والسُّلطة والتَّنمية من أهل الأطراف بالعنصريَّة والجهويَّة والتَّمرد والعصيان وعربان الشَّتات ، والخرطوم عجيبةٌ والله . والخرطوم هي القيادة السِّياسيَّة المتوارثة منذ بدايات الاستقلال وحتي يوم النَّاس هذا . الخرطوم تُسَيِّر حياة النَّاس بما تَهَوي أنفس القادة السِّياسيين لا بالبرامج التي تستجيب لحاجيات النَّاس الرُّوحية والمادية . وتُسَيِّر الحياة بالتَّغبيش لا بالوعي والتواصي بالحقَّ . وتسيِّر الحياة بالرَّغائب والتَّبعيَّة لا بالحريَّة والحثِّ على سعي الجميع بالمشاركة الحقيقيَّة والتَّدافع والمثابرة نحو الغايات والمشتركات بإعمال العقول والفكر . قف ، لكلّ ذلك نبتغي عَقْدَاً اجتماعيَّاََ تشاركيَّاً في التَّأَطير والصِّياغة والمفاهيم تتساوي فيه الحقوق والواجبات والتَّنمية المتوازنة حسب ما هو متوفر من موارد في الاقليم أو الجهة الجغرافية الغنية بالموارد المعينة . وإقرار مبدأ المساواة والمساءلة المحاسبة وعدم الإفلات من العقوبة وألَّا تسقط فيه الحقوق العامة والخاصة بالتَّقادم – عقدٌ اجتماعيٌّ يعترف بالمظالم وردَّ الحقوق – عقدٌ اجتماعيٌّ يؤسِّسُ لمبدأ المساواة والحرية ، والمساواة في بعديها السِّياسيّ والاجتماعي ، في البعد السِّياسي لكلِّ مواطنٍ بغضِّ النَّظر عن أوجه تعليمه أو ثرائه أو مركزه العائلي أو ديانته أو جنسه أو لونه بل يتساوى أمام القانون مع الآخرين . أمَّا المساواة في بعدها الاجتماعي فتعني ضرورة توفير الظُّروف الاجتماعية والاقتصادية التي تمكِّن المواطنين من ممارسة الحريَّة والمشاركة السِّياسيَّة وهي ضمانُ المجتمع لحدٍّ أدنى من الحقوق الاقتصادية والخدمات الاجتماعية ، أي العدل الاجتماعي و تكافؤ الفرص ، حيث لا مساواةَ حقيقيةً دون مشاركةٍ ولا مشاركةَ بالطَّبع في غيابِ الحريَّة واستقلال القضاء والقبول بالتَّعدد والاختلاف . وإلَّا كلَّ ما هو عكسُ ذلك فهو إدعاءٌ باحتكار الحقيقة .

لابدَّ من عقدٍ اجتماعيٍّ يعترف بالتَّباين ويعمل على استغلال فرص هذا التَّباين لخلقِ هويةٍ سودانيَّةٍ جامعةٌ متفقٌ عليها عربيَّة – إِفريقيَّة .

كفانا ضحكٌ و لعبٌ بالألفاظ من شاكلةِ تنوعٍ وتوافقٍ ونحنُ وفلانٌ ، لأَنَّه آن لنا أن نشُبَّ عن الطَّوق ونترك للخرطوم نِيْلُها وليتها حفظت حَقَّه في التَّدفق ليعمَّ خيراً وبركةً في مشروعات ينداح خيرها لأهل السُّودان بدلاً من استغلاله بالجار الجُنب المتسلِّط .

اعتبروا ، أَيُّها السُّودانيين بمختلف مكوناتكم الإِثنية والقبلية – والقبلية تُحَرِّكُ بعضكم ليتعالي هذا على ذاك ويتسلَّط الأدنى على الصَّنو و المتعالي على السَّيِّد أَلستم لآدم وآدم من تراب؟ إنَّ غلطة المُدَّعي الشَّطارة من بعضكم أَشعلت الحرب وبحساباتٍ خاطئةٍ قضت على كلِّ شيءٍ – حتي قيم الفرد الخاصة ما عادت تلكم القيم الفاضلة السمحة . وبعضكم ينظرون بلا هادي ولا عِظةٍ ولا عِبرةٍ ولا وازعَ دينيّ وأخلاقي . أَفيقوا وتَلَمَّسوا رؤوسكم : أين الشَّجاعة المدعاة؟ وأين الفهم وأين الفكر والرُّؤي والمبادرات؟ أين أنتم من المسؤولية؟ أين الحلُّ؟ وأين وأين؟ أدركوا ما تبقي وهو قليلٌ و قليلٌ جداً؟!

أوقفوا الحرب يا مشعليها ومسعريها ، أوقفوها يرحمكم الله ، أوقفوها لنجلس جميعاً شعوباً وقبائلَ أحزاباً وجماعات وطوائفَ وطرق وأفراداً . لا مخرج ممَّا نحن فيه من تَوَهُمٍ وتوهانَ إلَّا بالجلوس والتَّراضي بإحقاقِ الحقوق والاعتراف بالخطأ والإئتمار لعقدنا الاجتماعي يؤسِّس لدستورنا ، ومعلوم الدَّساتير بمثابةِ تغيراتٍ يفرضها الشَّعب عندما يكون واعياً ، وتفرض عليه عندما يكون سكراناً ، وهذا يدلُّ علي وجوب تمتع الإنسان بذهنٍ هاديءٍ ومعتدلٍ لصناعةِ وسيلته لتحقيق هدفه ، والواجب عليه الانتباه المتمثل في المقايضة بين العاطفة والعقل في قضيته المصيرية – عمليات صناعة الدَّستور الهادي والمنظم لمستقبله . ونمطيَّاً تَتَمُّ صناعة الدَّستور في سياق الكارثة الوشيكة أو النِّزاع ، وها نحن غرقي في نزاعاتنا واقتتالنا ودمارنا وكارثتنا : صناعة الدَّستور في الأزمنة غير الاعتيادية و عادة هي أزمنة خاصة جداً ليست مناسبة . و مشكلتنا في التهاب العواطف كما يحدث الآن في المشهد السِّياسي والعسكري ، كما وَضَّح جون اوستر عالم الاجتماع الأشهر الذي أجرى عديد الدَّراسات في صناعة الدَّساتير يقول أن كتابة الدَّستور عند الثَّمالة ، أو عند السُّكر بالعاطفة ليست أفضل سيناريو بالضَّرورة للخروج بشيءٍ مثاليٍّ متين يصمد أمام اختبار الزمن . وما نرجوه ونود أن نفعله هو الخروج بطريقةٍ ، وبآليات ، تخفِّفُ من الذِّهنيَّة الانفعاليَّة والعواطف السُّكرى ، وتروِّج للمنطق والطَّريقة الهادئة المنطقية للغاية للتعامل مع مشكلات السودان ، ونعني بها أساساً استعمال الوسائل الأكفأ لتحقيق أهدافنا بعيداََ عن المصالح الخاصة ، وتمسُّكاً بالمصالح العامة وبالتَّأكيد فإنَّ المصالح الخاصة ستكون موجودةً وحاضرةً حيثما يكون الأفراد المشتغلون بصنع الدَّستور محفِّزين في المقام الأول بمصالحهم ، الحزبية والدَّستورية والوظيفيَّة والمهنية ، والذي يتحتَّم علينا فعله هو التَّحرُّك نحو المصلحة العامة والتَّركيز عليها والنَّظر لمصالح المجتمع وليس المصالح الشَّخصية والحزبيَّة الضَّيِّقة الخاصة عند صناعة الدَّستور وليدُ عقدنا الاجتماعي الذي نتسامي فيه عن جراحاتنا المتوارثة وأنانيتنا البغيضة التي أورثت شعوب السُّودان الحروب والاختلافات والدَّمار والقتل وضياع الفرص .

ويتمثل هذا الاختبار في مَنْ هم الواجب انخراطهم؟ ومَنْ هم المندوبون الذين يجب أن يكونوا في المنصب المميَّز لصناعة الدَّستور؟ وكيف يجدر بالمرءِ انتخاب هؤلاء المندوبين ، العمر ، المؤهلات ، الجنس ، تعليمٌ متوازن . وينطبق نفس الشيء علي الذين يتعيَّن عليهم انتخاب هؤلاء المندوبين . إنَّ التهاب العواطف المصلحة الخاصة هذه أمراض وعللٌ تعيق وتحجِّم العقول وتحول دون الأهداف السَّامية لبناء الأُمّة .

فهل اعتبرت الخرطوم وألقت السَّمع أم سَدَرَت في غَيِّها لا تبالي أن تصبح يوماََ وهي ليست أُمَّاً للقرى السُّودانيَّة! أوقفوا الحرب . أوقفوها يرحمكم الله .

 

_لكم مودتي ،_

م . عبد الملك زكريا علي

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *