(أكثر ما أحزنني أن يبحث الناس عن علاقة بعيدة! كانت في عهد البشير بالنظام الإيراني، يلصقونها بسلطة بورتسودان الحالية، كيما يستدعوا الأجنبي لضرب بلادهم، فقط من أجل خصومة سياسية!)، قال إخواني (يائس) من المستقبل، بعد أن شعر بدنو النهاية والأجل، لعصابة من المجرمين استطالت أيام طغيانها حتى غدت دهوراً انتظرها الضحايا في الزنازين، وعلى شواهد القبور، يبكون أولي القربى ممن اختطفت أرواحهم يد التنظيم الإخواني المجرم، والأثيم.

 

أخافت هذا الدعي تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية على إخوان الشياطين، وأن تطالهم يد العدالة الناجزة بعد أن أمنوا العقاب، وتطاولوا على شعب السودان المعلم.

 

يتخيل هذا المهووس أن كلماته العاجزة تلك عن (إلصاق) تهمة العلاقة مع إيران بسلطة بورتسودان الحالية – المرتبطة عضوياً بطهران – تجدي فتيلاً، أو أنها تحتاج كثير عناء لإثبات أنها من صميم الواقع المعاش، وأنها لم تكن يوماً تهمة، ولم تكن هناك حاجة لإلصاقها.

 

يعلم القاصي والداني أنه وفي أكتوبر من العام (2023)، وبعد ما يقارب الأربعة أعوام من سقوط المخلوع البشير – أعلنت سلطة بورتسودان برئاسة البرهان استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران وتبادلت معها السفراء في منتصف العام (2024)، بل وشارك وفد من حكومة بورتسودان في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الحالي (مسعود بزشكيان( في يوليو من ذات العام.

 

ومن نافلة القول الحديث عن إن لإيران مسعىً قديم لاختراق منطقة القرن الأفريقي، والتمكن من مراقبة الملاحة الدولية في البحر الأحمر عبر موطئ قدم لها في ميناء بورتسودان، بينما يسعى الجيش لتأمين تدفق مستمر للسلاح والذخائر والمحروقات بأسعار (تفضيلية) في معركته ضد قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى الاستفادة من الخبرات الإيرانية في التصنيع الحربي، ومنها كيفية تحويل غاز الكلور لسلاح كيميائي، ثبت استخدامه من قبل الجيش في الحرب الحالية وبالأدلة القاطعة.

 

استخدم الجيش السوداني لمسيّرات إيرانية من طراز (مهاجر) و(أبابيل) في الحرب الحالية سقط جراءها مدنيين وفقاً لتقارير دولية ومحلية موثقة، كما رصدت منصات تتبع الطيران رحلات منتظمة لطائرات شحن إيرانية تابعة لشركة (قشم فارس أير)، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وهي تهبط في مطار بورتسودان، ومناطق سيطرة الجيش.

 

وفي أوائل العام الماضي، تصاعدت التقارير الدولية التي تشير إلى استخدام الجيش أسلحة كيميائية في النزاع، بل وفرضت الولايات المتحدة في مايو من العام الماضي عقوبات رسمية على الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بناءً على تقرير استخباري يفيد باستخدام الجيش لأسلحة كيميائية خلال العام 2024.

 

ووفقاً لتحقيق أجرته فرانس 24 وهيومن رايتس ووتش، فقد استخدام الجيش براميل الكلور المسقطة جواً، وهو تكتيك يشبه إلى حد كبير ما تم استخدامه في الصراع السوري. فكحليف رئيسي لنظام بشار الأسد الذي اتُهم مراراً باستخدام غاز الكلور كسلاح، وبتكرار النمط والأسلوب في حرب السودان – براميل متفجرة محملة بالغاز تسقطها الطائرات – تتعزز فرضية وجود بصمة تدريبية إيرانية، نتيجة التشابه الكبير في العقيدة العسكرية المتبعة.

 

وتشير تقارير إلى وجود مستشارين فنيين لتقديم الدعم اللوجستي وتدريب العناصر السودانية على تشغيل وصيانة الأسلحة الإيرانية المتطورة. وكما هو معلوم، تمتلك إيران برنامجاً كيميائياً متطوراً وخبرة ميدانية واسعة في كيفية تحويل المواد “مزدوجة الاستخدام – مثل الكلور المستخدم في تنقية المياه – إلى أسلحة حربية. ويُعتقد أن الخبراء الإيرانيين الذين يقدمون الدعم الفني للمسيّرات في بورتسودان قدموا أيضاً استشارات في كيفية (تسليح) المواد الكيميائية. ففي حين كان الجيش يمتلك المادة الخام اللازمة لصناعة الغاز السام – وهي الكلور الصناعي – كان يفتقر للتقنية الفعالة لتحويلها إلى سلاح جوي مؤثر، وهو الفراغ الذي ملأه التعاون مع طهران.

 

وبتتبع بعض شحنات الكلور التي وصلت للسودان، ووجد أن بعضها استُورد عبر شركات واجهة تحت مسمى (تطهير المياه)، وهو أسلوب تستخدمه شبكات الإمداد المرتبطة بإيران لتجاوز الرقابة الدولية.

 

إن محاولة تصوير الحديث عن ارتباط سلطة بورتسودان بالنظام الإيراني على أنها استدعاء لتاريخ بعيد هي من صميم الكذب البواح، كونها علاقة تشهد عليها التشوهات والندوب على أجساد ضحايا استخدام السلاح الكيميائي الإيراني من المدنيين السودانيين. رآهم الناس وسمعوا إفاداتهم في فيديوهات مبذولة على الإنترنت، لكنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. ألا لعنة الله على إخوان الشياطين.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *