م. عبدالملك زكريا علي

العلاقات بين السودان ومصر نموزج جيوسياسي يتجاوز مفاهيم الدبلوماسية التقليدية الي افاق القدر الجغرافي والتاريخي الذي صاغته مياه النيل مما جعل امن واستقرار اي من البلدين هو شرط لامن واستقرار الاخري … مما يشير هذا المنهج الي تعقُد هذه العلاقة في كل جوانبها التاريخية والسياسية والدبلوماسية والاجتماعية ونزاعات الحدود والامن المائي بالاضافة ( للتعاون العسكري ) والتكامل الاقتصادي والدخول البيّن في الشأن الداخلي والوجود الامني والاستخباراتي عبر مؤسسات أُنشأت خصيصاً لهذا الغرض بالاضافة الي الصراع والنزاع السوداني واثرة علي العلاقات بين البلدين حيث غياب وحضور التاثير المصري … مصر تحتضن المعارضات بيد والنظام الحاكم باليد الاخري ويجسد هذا السلوك لعلاقة مضطرب بين خديوية ملكية مهيمنة وواقع استقلالي يفترض ان يكون سمته الندية والواقعية بدلالاتها الاخوية وتجلياتها الدبلوماسية .

#-المؤرخين وعلماء الانثروبولوجيا بدراساتهم وبحوثهم اكدوا ان البدايات الحضارية والنشأة كانت سودانية خالصة وانداحت شمالا منذ ما قبل التاريخ وما الاسر الفرعونية القديمة الا امتداد للحضارة النوبية في شمال السودان مع التأكيد ان البحوث العلمية اثبتت ان شعب وادي النيل ينتمي الي السلالة الحامية إلي أن تأثرت هذه السلالة بالزنجية الجنوبية والاختلاط حيث وصفت هذه العلاقة … (العلاقات السودانية المصرية بانها علاقات ازلية) !؟

#- مرت العلاقة بين البلدين بحقب تاريخية مهمة كان لها الاثر الاستراتيجي المباشر والمستمر حتي يومنا هذا مثلا :

* العصور القديمة : وحدة حضارية ونشأوية وسلالة حامية وتشكل الوجدان المشترك والارتباط الوجودي .

* ١٨٢٠ الي ١٨٨٥م الحكم التركي المصري وحملة محمد علي باشا في توحيد السودان اداريا ونشر التعليم الحديث والبحث عن الموارد وتأمين منابع النيل وتجنيد السودانين في الجيش المصري وتاسيس الدولةالسودانية الحديثة بمركزية الخرطوم كاول كيان اداري لحكم السودان الموحد .

* ١٨٨٩ الي ١٩٥٦م الحكم الثنائي :

ادارة بريطانية مصرية مشتركة ورسم الحدود السياسية الحالية وخلق الصراع حول الهوية بعزل مناطق الجنوب وجبال النوبة والنيل الازرق .

* ١٩٢٩م إتفاقية مياه النيل والتي ابرمتها الادارة البريطانية والتي بموجبها حصلت مصر علي ٥٥.٥ مليون متر مكعب والسودان حصل علي ١٨.٥ مليون متر مكعب سنويا

* ١٩٥٦ م الي الحاضر : الاستقلال بموافقة دولتي الحكم الثنائي وبداية التذبذب بين التكامل والاستقلال وظهور قضايا الحدود في مثلث حلايب وشلاتين وابورماد .

* ١٩٥٩م موافقة السودان بمنح اراضي تشمل مدينة حلفا وقري نوبية اخري لغمرها بمياه بحيرة السد العالي .

* ١٩٧٦م اتفاقية الدفاع المشترك ( نفرد لها مقالة )

* ١٩٨٢م : اتفاقية التكامل الاقتصادي والسياسي والعسكري .

* ٢٠٠٤م اتفاقية الحريات الاربعة : والتي تنص علي حرية الاقامة والتنقل والعمل والتملك . استقلال السودان وانتهاء الحكم الثنائي كان له كبير الاثر في تشكيل ملامح السياسة السودانية تجاه مصر حيث انقسمت الاحزاب بين اتحادية تدعو للوحدة مع مصر واستقلالية تطالب بالاستقلال التام الا ان العلاقة لم تراوح مكانها في التذبذب والنهوض والهبوط حسب قرب وبعد الانظمة في البلدين وكذلك حسب جنوح الانظمة بالسودان الي الندية والواقعية في هندسة السياسة الخارجية لصالح المصالح العليا للسودان ومصر .

* وتاتي قضية مثلث حلايب وشلاتين وابورماد احد اكثر الملفات تعقيدا وحساسية في تاريخ العلاقة بين البلدين وتعود جزور هذا النزاع الي تفسيرات متضاربة لاتفاقيتين هما اتفاقية الحكم الثنائي عام ١٨٩٩ والتي حددت الحدود السياسية عند خط عرض ٢٢ درجة شمالا والقرار الاداري البريطاني في العام ١٩٠٢م والذي منح السودان حق ادارة المثلث لاسباب قبلية وادارية نظرا لقرب وارتبط وامتداد القبائل المقيمة هناك بالقبائل الشرق سودانية وظل السودان يقدم شكواه لمجلس الامن للفصل في النزاع ويقابل الطلب بالرفض من الجانب المصري والذي يستند الي ان السيادة لاتخضع للتحكيم الا بموافقة الطرفين !!؟؟

#- شهدت العلاقة بين البلدين تحولات سياسية وميدانية كان لها ابلغ الاثر منذ نهاية عقد الثمانينات بعد انقلاب نظام الانقاذ ١٩٨٩م وإبتلاع مصر الطعم وتسويقها للتغيير ثم إكتشافها لاحقا خطأ تقديراتها وبالتالي التغيير الجوهري في استراتيجيتها الخارجية والعمل علي الانتقام من النظام ذو التوجه الاسلامي الغير مرغوب فيه والمشار اليه بالعلامة الحمراء دلالة الخطر في اجندة استراتيجتها ثم اعقب ذلك تهور النظام بتدبير محاولة اغتيال الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك في اديس ابابا عام ١٩٩٥م وما ترتب علي ذلك من تداعيات سالبة علي الوضع في السودان من قرارات اممية ومقاطعات وحصار سياسي وامني واقتصادي نتيجة ذلك الخطأ الفادح من بعض قيادة نظام الانقاذ المدنية والعسكرية مما حدي بالحكومة المصرية من فرض سيطرتها الكاملة علي مثلث حلايب والذي في تطور استراتيجي مفاجئ وغير مسبوق اشارت تقارير دولية وصحفية في اغسطس عام ٢٠٢٥م الي حدوث توافق مصري سوداني تاريخي يقضي باعتراف السودان رسميا بسيادة مصر علي المثلث ومعلوم بالضرورة هو إعتراف من مجلس السيادة ورئيسه البرهان وهذا اعتراف من لا يملك لمن لا يستحق … حيث وجه البرهان بخطاب رسمي منه الي اللجنة القومية للحدود يطلب فيه اعتماد خريطة تدرج المثلث ضمن الحدود المصرية لإستخدامها في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية ؟؟… وحسب ما رشح من دوافع ان هذا التحول المفاجئ في الموقف هو ان هناك حزمة من المصالح الاستراتيجية واهمها :

١- ترسيم حدود السودان البحرية مع السعودية للاستفادة من ثروات البحر الاحمر … النفط والغاز والمعادن … وهو ما لا يمكن تحقيقه الا بنقطة انطلاق برية ثابتة وغير متنازع عليها .

٢- الدعم المصري : معلوم ان مصر هي الداعم والحليف الاهم للجيش السوداني في حربه الراهنة … والتنازل قد يكون مقايضة لضمان استمرار الدعم قد يكون .

٣- دوافع الواقعية السياسية القابضة : كل المؤشرات تشير الي العمل علي تسكين هذا الملف نهائيا لصالح التسليم في ملفات الامن القومي بابعاده السياسية والعسكرية في ظل السيولة السياسية والتنفيذية والسيادية والامنية والدبلوماسية .

٤- ازمة سد النهضة : واجه المسار التنسيقي الفني بين السودان ومصر في ملف سد النهضة الاثيوبي فترات من المد والجزر حيث ابدي السودان شئ من المرونة تجاه السد طمعا في الحصول علي كهرباء رخيصة وتنظيم تدفقات المياه لحماية سدوده من الفيضانات ولكن تعنت الجانب الاثيوبي في الملء الاحادي ادي الي تقارب الموقفين السوداني والمصري . حيث ان حصة السودان من اتفاقية مياه النيل البالغة ١٨.٥ مليون متر مكعب لم يستغلها كلها ويذهب الغير مستغل منها مباشرة الي مصر من غير رؤية ولا حتي مقابل ايا كان ذلك المقابل وهو حق واجب الحفاظ عليه .. وكثيرا ما نسمع ان هذه المياه هي دين علي مصر !!!؟؟؟ من وضع تدابير هذا الدين وباي اتفاق مكتوب ؟؟؟ وكيف يسترد هذا الدين لا ندري … وربما هذا الدين هو مهر الخطوط الحمراء بين النخب الحاكمة ؟؟؟ .

#- حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣ م جعلت مصر تتخذ منحي يقوم علي ثوابت من وجهة النظر المصرية وان هذه الثوابت خطوط حمراء ولكن في حقيقتها تمثل المصالح العليا المصرية فقط ومنها نذكر :

* وحدة السودان وتتم بدعم المؤسسات المسماة وطنية ؟؟؟ .

* منع انهيار الجيش … ومنع انهيار الدولة ورفض اي تدخل خارجي يسعي لتقسيم السودان وأليس انفصال الجنوب خط احمر للإستراتيجة المصرية والتي تقوم علي وحدة التراب السوداني وهل مصر وثقلها الاقليمي والدولي كان غائباً ؟ والان جنوب السودان دولة ذات سيادة !!! .

* اعتبار امن السودان جزء لا يتجزأ من امن مصر هذا الخط الاحمر الثابت يحتاح لتعريف واضح من الاخوة المصريين وهل حروب دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق لم تمثل مساس بالثوابت وخطوط مصر الحمراء ام ان كردفان ودارفور وبعدهما من رافدي نهر النيل لا يمثل خطر احمر ثم لماذا الخطوط الحمراء علي دولة ذات سيادة في الاصل ؟؟؟ .

#- العلاقات السودانية المصرية علاقات يشوبها كثير من التغبيش والشيطنة من الجانب المصري وكثيرا ما نسمع بمشاريع يسمونها استراتيجية … وفي الحقيقة لم نري ولا مشروعا استراتيجيا واحد بل هي امنيات وتخدير لمواطني بلادي بل العكس سمعنا بمؤسسات مصرية ضخمة قامت علي موارد سودانية حقيقية حتي في الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان الان كمشروعات الانتاج الحيواني والزراعي ودباجتها مطبوع عليها بالبنط العريض انتج وصنع في مصر … من اين لمصر بهذه الوفرة من الثروة الحيوانية وبعض من المحصولات الزراعية كالسمسم والكركدي مثلا لدرجة ان تنشأ لها صناعات تحويلية ؟؟؟ وهناك كثير من الامثلة لمشروعات الامنيات والتخدير كالربط الشبكي الكهربائي والنقل النهري والربط السكك حديدي واستزراع الاراضي والواقع يكذب كل ذلك . #- تداعيات الحرب والازمة الانسانية : … الحرب افرزت واقعا انسانياً ماساوياً مريعاً يتحمل الجيش السوداني كسلطة امر واقع والاسلامين منزوعي السلطة بثورة ديسمبر ٢٠١٩م المسئولية الكاملة لهذه المأساة … مأساة نزح الملايين داخل السودان وكذلك لجؤ الملايين الي دول الجوار القريب والبعيد واستقبلت مصر وحدها حسب احصائية مفوضية اللاجئين مليون ونصف او تزيد استقبال منافع وليس استقبال اخوة وعلاقة ازلية بين البلدين الجارين واللذان يربطهما شريان الحياة نهر النيل .. ورغم الظروف الاستثنائية والعلاقات الازلية الا ان السلطات المصرية فرضت إجراءات صارمة كالتاشيرة المسبقة والموافقة الامنية لبعض الفئات العمرية وإثباتات مالية لتغطية نفقات الاقامة وتقارير طبية للحالات العلاجية ضاربة باتفاقية الحريات الاربع ومصر يا اخت بلادي ويا ابن النيل والعلاقات الازلية وغيرها من مفردات الاستهبال والفهلوة ضاربة بها عرض الحائط وداست عليها بارجلها واخيرا التضيق الامني والترحيل القسري الي المجهول السوداني حيث البوابات الامنية القابضة والكل يتحدث علي علاقات ثاني ازلية … ازلية ايه يا عمي والاستعمار مستمر ، وفوق هذا كله تود مصر ان تلعب دور الوسيط المحايد كذبا ونفاقا ومعلوم ان السياسة الخارجية المصرية تجاه السودان وفي ازمته الراهنة تقوم علي مبدأ دعم النظام والحل السوداني السوداني ورفض التدخلات الخارجية وفي سبيل ذلك عقدت المؤتمرات اللقاءات وهندسة المواقف ودعت لوقف الحرب ولانها هي مصر اخت بلادي … اما الاخرين الذين يدعون لوقف الحرب من ابناء السودان فهم عملاء وخونة … ان العلاقة بين مصر والسودان تمر بمرحلة مخاض يفتقد المنهجية والواقعية والندية وهذا المخاض ستُحدد ملامح مولوده في قادم الايام والذي بدوره سيحدد شكل العلاقة للقرن القادم … ولابد من الوضع في الاعتبار … مراحل صعود وهبوط وتذبذب وتارحج وهيمنة العلاقة لابد لابد من منهجية وواقعية وندية وهندسة دبلوماسية سودانية تقوم علي قواعد المصالح العليا السودانية بعمقها الافريقي والعربي والاسلامي في معالجة كل الملفات المهنضبة بواسطة الجانب المصري … معالجتها وفق الثوابت الوطنية السودانية المؤسسية والقانون الدولي والاعراف الدبلوماسية ولجان التحكيم الدولية في القضايا محل النزاع بدلا من استنزاف طاقات البلدين في غير صالح المصالح العليا لكل بلد … انتهي عهد مفردات معجم الاستهبال المصري المكلف جدا وغير المنطقي انتهي ذلك العهد … لابد من ان نضع امام القيادة المصرية وبثبات بان البوابة الجنوية حريصة علي علاقات ندية منهجية لا علاقة تخدير بوهم المشاريع المسماة الشبكة العصبية ووهم العلاقات الازلية والتي لم تخدم السودان في شئ .. لابد ان تعرف القيادة في مصر ان مركز القيادة المتقدمة للاستخبارات المصرية في السودان لمراقبة افريقيا والمحيطين الهادي والاطلسي قد انتهي عهده … نعم انتهي هذا العهد … وثمن تامين الجبهة الجنوبية غالي وغالي جدا لابد لمصر ان تدفعه … بالاعتراف الصريح ان سيادة السودان فوق كل اعتبار والسودان اولا في العلاقات الدولية والتجارة والاحلاف والتكاملات والاخاء بعيدا عن الوصاية والكوابح ومصالح الشعبين فوق مصالح الانظمة … والمصالح هي التي تحدد مسار العلاقات … ما الذي يجعل مصر تقتل وتضيق علي اؤلئك عندها وتدعم هؤلاء هنا في السودان ماذا هناك ؟؟؟ … مصر كغيرها من الدول … الم تكن ليبيا اخت وجارة وكذلك تشاد وافريقيا الوسطي والجنوب ويوغندا وكينيا واثيوبيا وارتريا الم تكن دول افريقيا كلها جيران واخوان الم تكن الدول العربية والاسلامية كلها جيران واخوان … نعم انهم جيران واخوان ولهم امتداد تاريخي وقبلي مع السودان ولهم مصالح مشتركة ولهم وللسودان منافع … لماذا التمييز وإعادة انتاج الاستعمار لماذا لماذا غابت كل هذه الاعتبارات لماذا ؟؟؟ .

( قال ازلية قال )

 

اوقفوا الحرب وارجعوا الثكنات .. لا للحرب

اوقفوا الحرب وارجعوا الثكنات .. لا للحرب

اوقفوا الحرب ارجعوا الثكنات .. لا للحرب

م. عبدالملك زكريا علي

مارس ٢٠٢٦م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *