(لصيق الطين في الكرعين ما بيبقى نعلين”)

 

لم تعد الحروب الحديثة تخاض في ساحات القتال وحدها، بل انتقلت إلى فضاء أكثر اتساعاً وتأثيراً: الفضاء الرقمي. ففي زمن المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت السيطرة على الرواية جزءاً لا يتجزأ من إدارة الصراع، بل أحياناً أهم من التقدم الميداني نفسه.

 

تعتمد أطراف الحرب، وفي مقدمتها الجيوش والأجهزة الاستخباراتية، على استراتيجيات إعلامية تهدف أساساً إلى كسب الوقت. لا يُقصد بهذا الوقت الحسم، بل تأجيل الصدمة، وتخفيف وقع الأخبار القاسية مثل الهزيمة أو الانسحاب أو فقدان السيطرة. وهنا تبدأ عملية إعادة تدوير الحقيقة: تُجزأ، تُلطف، أو تُستبدل بأخبار مفبركة تحمل عناوين مطمئنة ومحتوى فارغاً.

 

في البيئة الرقمية، لا يحتاج التضليل إلى كذبة كبيرة واحدة، بل إلى سيل متواصل من الروايات المتناقضة. ومع كثافة النشر وسرعة التداول، يفقد المتلقي قدرته على التحقق، ويتحول الشك إلى موقف دائم. هذه الحالة من الإرباك ليست عرضاً جانبياً، بل هدف مقصود، لأن المواطن المرهق ذهنياً أقل ميلاً للمساءلة وأكثر قابلية للانسحاب من الشأن العام.

 

هذا النمط ليس جديداً، لكنه اليوم أكثر فاعلية. في حرب فيتنام، استمر الخطاب الرسمي الأمريكي في الحديث عن التقدم، بينما كانت الصور القادمة من الميدان تنسف الرواية الرسمية. وفي حرب العراق عام 2003، بُني الغزو على رواية أسلحة الدمار الشامل، التي انهارت لاحقاً، مخلفة أزمة ثقة عميقة بين الدولة ومواطنيها. اليوم، تتكرر الظاهرة نفسها في حروب عديدة، حيث يُدار الإعلام كجبهة موازية للجبهات العسكرية.

 

في الحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، أصبح الإعلام أداة تعبئة داخلية قبل أن يكون وسيلة نقل للخبر. تُصاغ الرواية بعناية لتثبيت المعنويات حتى لو تعارضت مع الوقائع. الهدف واضح: تأجيل لحظة الاعتراف، لأن الاعتراف في زمن المنصات قد يكون أكثر كلفة من الهزيمة نفسها.

 

وعند النظر إلى حرب 15 أبريل من هذا المنظور، يتضح أن المعركة على الوعي كانت حاضرة منذ اليوم الأول. بيانات عسكرية متكررة بلغة فضفاضة، أخبار يصعب التحقق منها، وتضخيم للقدرات مقابل تقليل للخسائر. ومع مرور الوقت، لم يعد المواطن يبحث عن الحقيقة، بل عن أي رواية أقل تناقضاً، وهو ما يعكس عمق الأزمة.

 

تجسد «حكاية البعاتي» هذا الواقع ببلاغة شعبية. فكما صُوّر كائن لا يُهزم ولا يُرى، جرى تضخيم صورة القوة المطلقة، إلى أن تآكلت بفعل التناقض بين الخطاب والواقع. وعندما يسقط الوهم، لا يسقط معه الخوف فقط، بل تسقط الثقة أيضاً، ويتحول التصديق إلى سخرية، ثم إلى غضب مكتوم.

 

المشكلة الحقيقية في التضليل الإعلامي لا تكمن في الكذب المؤقت، بل في أثره التراكمي. فحين يفقد المواطن ثقته في الجيش أو في أي مؤسسة رسمية، تصبح الخسارة أخلاقية قبل أن تكون عسكرية. وتتحول المنصات الإلكترونية إلى ساحة مفتوحة للفوضى والإنكار.

 

المشكلة الحقيقية في التضليل الإعلامي لا تكمن في الكذب المؤقت، بل في أثره التراكمي. فحين يفقد المواطن ثقته في الجيش أو في أي مؤسسة رسمية، تصبح الخسارة أخلاقية قبل أن تكون عسكرية. وتتحول المنصات الإلكترونية من فضاء للنقاش العام إلى ساحة مفتوحة للفوضى والإنكار.

 

تؤكد التجارب العالمية أن كسب الوقت عبر الأخبار المفبركة لا يمنع السقوط، بل يؤجله ويضاعف ثمنه. فالحقيقة مهما حوصرت في الفضاء الرقمي، تجد طريقها في النهاية. لكن السؤال الأهم: كم من الثقة تُدمَّر قبل أن تصل؟

 

وإن تصدع الجبهة الداخلية لا ترممه الخطب الحماسية. في نموذج العراق، كان الصحاف أسوة سيئة؛ فقد ظل يتحدث عن “العلوج” حتى في آخر ساعة قبل سقوط بغداد.

 

فهل من صحاف جديد في السودان ؟؟؟؟؟ !

 

م ادم مكـرم

 

كمبالا

 

27 مارس 2026

 

engineermakram@gmail.com

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *