بقلم عمار سعيد في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، أعلنت U.S. Department of State تصنيف جماعة Muslim Brotherhood في السودان ككيان إرهابي. هذا القرار لا يقتصر على كونه إجراءً قانونيًا أو عقابيًا، بل يمثل تحولًا سياسيًا في نظرة المجتمع الدولي إلى أحد أهم الفاعلين غير المعلنين في الحرب السودانية الدائرة منذ عام 2023. فالعديد من التحليلات الدولية ركزت على أن الحرب في السودان هي صراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. إذ يرى مراقبون أن الصراع يتداخل مع صراع آخر أعمق: صراع على من يسيطر على الدولة السودانية نفسها، وعلى ما إذا كانت ستظل خاضعة لشبكات الإسلاميين التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس السابق Omar al‑Bashir. ثلاثة عقود من بناء شبكة نفوذ داخل الدولة منذ انقلاب عام 1989 الذي قاده Omar al‑Bashir بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بزعامة Hassan al‑Turabi، بدأ مشروع سياسي هدفه إعادة تشكيل مؤسسات الدولة السودانية بالكامل. خلال تلك الفترة، لم يقتصر نفوذ الإسلاميين على المجال السياسي، بل امتد إلى: • المؤسسة العسكرية عبر شبكات ولاء عقائدي داخل الضباط. • جهاز الأمن والمخابرات الذي تحول إلى أحد أقوى أدوات النظام. • القضاء والنيابة لضمان الحماية القانونية للنظام. • الاقتصاد والشركات شبه الحكومية التي شكلت شبكة تمويل واسعة. • المؤسسات التعليمية والدعوية التي استخدمت لإعادة إنتاج النخبة الموالية. وقد أنتج هذا المشروع ما يسميه بعض الباحثين بـ “الدولة الموازية” أو “الدولة العميقة الإسلامية” داخل السودان. اختراق المؤسسة العسكرية أحد أهم أسباب بقاء الإسلاميين في المشهد بعد سقوط نظام البشير عام 2019 هو عمق تغلغلهم داخل الجيش السوداني. فعلى مدى سنوات حكم البشير، تم تنفيذ سياسة منهجية شملت: • إحالة آلاف الضباط غير الموالين إلى التقاعد. • ترقية الضباط المرتبطين بالحركة الإسلامية. • إنشاء وحدات أمنية موازية مرتبطة مباشرة بالقيادة السياسية. • ربط الجيش بشبكات اقتصادية وشركات تابعة للنظام. هذه السياسات جعلت تفكيك نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية عملية شديدة التعقيد بعد الثورة السودانية. بعد الثورة: إعادة التموضع بدل الاختفاء عندما سقط نظام البشير عام 2019، اعتقد كثيرون أن نفوذ الإسلاميين انتهى. لكن ما حدث في الواقع كان إعادة تموضع أكثر منه انهيارًا. فقد احتفظت شبكات النظام السابق بعدة عناصر قوة: 1. وجود ضباط موالين داخل الجيش والأجهزة الأمنية. 2. شبكات مالية وشركات اقتصادية واسعة. 3. نفوذ داخل الإدارات الحكومية والقضاء. 4. قدرات تنظيمية وإعلامية متراكمة. هذه الشبكات ظلت لاعبًا مهمًا في خلفية المشهد السياسي، بل يرى بعض المحللين أن جزءًا من الصراع الحالي في السودان مرتبط بمحاولة استعادة نفوذها داخل الدولة. الحرب السودانية: صراع على مستقبل الدولة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت البلاد إلى ساحة معركة مفتوحة بين القوى العسكرية. لكن خلف هذه الحرب يوجد سؤال أكبر: هل ستخرج الدولة السودانية من هذه الحرب كمؤسسة وطنية جديدة، أم ستعود إلى نمط الدولة المسيطر عليها من قبل شبكات أيديولوجية؟ قرار تصنيف جماعة Muslim Brotherhood كمنظمة إرهابية من قبل U.S. Department of State يعكس تحولًا في الإدراك الدولي لهذه القضية. فالقرار يشير إلى أن المجتمع الدولي بدأ ينظر إلى نفوذ الإسلاميين في السودان ليس فقط كمسألة سياسية داخلية، بل كعامل يؤثر على الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي. تأثير القرار على الحرب يمكن أن يؤدي هذا القرار إلى عدة نتائج محتملة: 1. تضييق مصادر التمويل تصنيف الإرهاب يعني مراقبة أكبر للشبكات المالية والشركات المرتبطة بالجماعة، ما قد يحد من قدرتها على التمويل. 2. إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بعض الدول التي كانت تتعامل مع أطراف سودانية مختلفة قد تعيد تقييم علاقاتها لتجنب الارتباط بكيانات مصنفة. 3. ضغط دولي لإصلاح المؤسسة العسكرية قد يزيد الضغط الدولي من أجل إعادة هيكلة الجيش السوداني وإبعاد أي نفوذ سياسي أو أيديولوجي داخله. 4. تعقيد أي تسوية سياسية أي اتفاق سلام مستقبلي قد يتطلب شروطًا أكثر صرامة لضمان عدم عودة شبكات النظام السابق إلى السيطرة على الدولة. *التحدي الأكبر: تفكيك الدولة العميقة* لكن التجارب الدولية تشير إلى أن تفكيك شبكات النفوذ داخل الدولة أصعب بكثير من إسقاط نظام سياسي. فمثل هذه الشبكات غالبًا ما تمتلك: • موارد مالية كبيرة • علاقات داخل مؤسسات الدولة • خبرة تنظيمية طويلة • قدرة على إعادة تشكيل نفسها وهذا ما يجعل عملية الإصلاح في السودان أكثر تعقيدًا. *ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل السودان؟* القرار الأميركي قد يمثل بداية مرحلة جديدة في التعامل الدولي مع الأزمة السودانية، لكنه لن يحدد وحده مستقبل البلاد. فالمستقبل الحقيقي للسودان سيتحدد عبر ثلاثة عوامل رئيسية: 1. إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية غير مسيّسة. 2. تفكيك شبكات الدولة العميقة داخل الاقتصاد والأجهزة الأمنية. 3. بناء نظام سياسي مدني قادر على إدارة التنوع السوداني. من دون هذه الخطوات، قد تظل البلاد عالقة في دائرة الصراع بين القوى العسكرية والشبكات الأيديولوجية. تصنيف جماعة Muslim Brotherhood في السودان كمنظمة إرهابية يمثل رسالة سياسية واضحة: إن الصراع في السودان لم يعد يُنظر إليه فقط كحرب أهلية، بل كمعركة حول طبيعة الدولة نفسها. السؤال الذي سيحدد مستقبل البلاد الآن ليس فقط من سينتصر في الحرب، بل أي نوع من الدولة سيولد من تحت أنقاضها. شارك تصفّح المقالات عبدالعزير بخات المحامي يكتب .. الأسواق ليست ساحات حرب