عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان القرار الأميركي بتصنيف جماعة الاخوان المسلمين في السودان منظمة ارهابية لا يمكن قراءته كاجراء تقني في سياسات مكافحة الارهاب فقط بل هو مؤشر سياسي عميق على تحول في نظرة المجتمع الدولي لطبيعة الازمة السودانية وللدور الذي لعبته الحركة الاسلامية في صناعة هذه الازمة عبر عقود طويلة من السيطرة على الدولة وتوظيف الدين في الصراع على السلطة فواشنطن عندما تضع هذا التنظيم في خانة الارهاب فهي في الواقع تعلن ان التجربة السياسية التي قادتها الحركة الاسلامية في السودان لم تعد مقبولة دوليا لا اخلاقيا ولا سياسيا ولا قانونيا الحركة الاسلامية في السودان لم تكن مجرد تيار فكري او حزب سياسي تقليدي بل كانت مشروعا ايديولوجيا سعى منذ وقت مبكر الى احتكار الدولة والمجتمع عبر خطاب ديني يوظف العقيدة لخدمة السلطة ومنذ انقلاب عام ١٩٨٩ الذي قاده تحالف الجيش والحركة الاسلامية بدأت مرحلة اعادة تشكيل الدولة السودانية وفق رؤية تنظيمية مغلقة حيث تم تفكيك مؤسسات الدولة المهنية واستبدالها بولاءات تنظيمية وتم تحويل الجيش والاجهزة الامنية الى ادوات لحماية المشروع السياسي للحركة وليس لحماية الوطن خلال عقود حكم الحركة الاسلامية شهد السودان سلسلة من الكوارث السياسية والانسانية التي لا يمكن فصلها عن طبيعة هذا المشروع فالحروب التي اندلعت في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور لم تكن مجرد نزاعات محلية بل كانت نتيجة مباشرة لسياسات الاقصاء والتعبئة الايديولوجية التي استخدمت الدين غطاء للحرب وتم تصوير الصراعات السياسية والاجتماعية باعتبارها معارك عقائدية وهو ما فتح الباب لشرعنة العنف وتبرير الانتهاكات ضد المدنيين باسم الجهاد والدفاع عن الدين هذا النهج قاد في النهاية الى واحدة من اكبر الكوارث السياسية في تاريخ السودان وهي انفصال جنوب السودان فقد فشل مشروع الدولة الايديولوجية في استيعاب التنوع الثقافي والديني في البلاد ومع استمرار الحرب وسياسات التمييز والانغلاق انهارت فكرة الوحدة الوطنية ووجد الجنوب نفسه خارج معادلة الدولة التي احتكرتها الحركة الاسلامية وهكذا لم يكن الانفصال حدثا عابرا بل نتيجة تراكم طويل من السياسات التي فككت المجتمع والدولة معا وفي السنوات اللاحقة لم تتوقف الحركة الاسلامية عن توظيف الدين في الصراع السياسي بل استمرت في استخدام الخطاب الديني لتعبئة المجتمع وتبرير العنف ومع اندلاع الحرب الحالية في السودان عاد هذا الخطاب بقوة حيث جرى تقديم الصراع السياسي والعسكري مرة اخرى باعتباره معركة وجودية وهو ما ساهم في اطالة امد الحرب وتوسيع دائرة الدمار والانتهاكات بحق المدنيين ان اخطر ما قامت به الحركة الاسلامية لم يكن فقط ادارة الحروب بل تحويل الدين نفسه الى اداة للصراع السياسي فالدين بطبيعته منظومة اخلاقية وروحية تهدف الى تهذيب الانسان بينما السياسة مجال للمصالح والصراعات وعندما يتم خلط المجالين تتحول العقيدة الى سلاح ايديولوجي يبرر القمع ويمنح السلطة قداسة زائفة ولهذا السبب تطورت في الفكر السياسي والقانوني المعاصر مبادئ واضحة ترفض استخدام الدين كاداة للهيمنة السياسية فالقانون الدولي لحقوق الانسان يؤكد على حرية المعتقد وحرية الضمير ويمنع استغلال الدين لفرض سلطة سياسية او تبرير العنف كما ان العديد من الدساتير الحديثة تقوم على مبدأ حياد الدولة تجاه الاديان لضمان عدم توظيف العقيدة في الصراعات السياسية كما ان ميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهود الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية تقوم جميعها على فكرة اساسية مفادها ان السلطة السياسية تستمد شرعيتها من ارادة الشعب وليس من ادعاء احتكار الحقيقة الدينية ولذلك فان تحويل الدين الى اداة سياسية يتعارض مع جوهر الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون من هذا المنظور يمكن فهم القرار الاميركي الاخير باعتباره رسالة سياسية وقانونية في آن واحد رسالة تقول ان العالم لم يعد مستعدا لقبول الحركات التي توظف الدين في الصراع السياسي وتستخدم العنف لتحقيق اهدافها كما انه يعكس ادراكا متزايدا بان ازمة السودان ليست مجرد صراع عسكري عابر بل نتيجة تاريخ طويل من اختطاف الدولة بواسطة مشروع ايديولوجي ضيق لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة هو كيف يمكن للجيش السوداني ان يتعامل مع هذا الواقع الجديد بينما ما تزال داخل بنيته كتائب وتشكيلات تحمل نفس المشروع الايديولوجي الذي اوصل البلاد الى هذه الكارثة كيف يمكن لمؤسسة عسكرية يفترض انها مؤسسة وطنية مهنية ان تستوعب داخلها تشكيلات مثل كتيبة البراء او ما يسمى بالبنيان المرصوص او درع الشمال وغيرها من التشكيلات ذات الطابع الايديولوجي دون ان يتحول الجيش نفسه الى مظلة سياسية لمشروع ديني مسلح وهل يمكن فعلا الحديث عن جيش قومي بينما توجد داخله مليشيات تحمل شعارات عقائدية وتنظم نفسها خارج التسلسل العسكري المهني وتتحرك بدوافع ايديولوجية اكثر من كونها التزاما بعقيدة عسكرية وطنية ثم كيف يمكن تفسير وجود هذه الكتائب داخل الجيش في الوقت الذي يقال فيه ان السودان يسعى لاعادة بناء مؤسسات دولة حديثة تقوم على المهنية والحياد وهل يعقل ان يقاتل الجيش باسم الدولة بينما تقاتل داخله مجموعات اخرى باسم العقيدة والتنظيم ومن الذي يملك القرار الحقيقي في مثل هذه الحالة قيادة الجيش ام القيادات الايديولوجية التي صنعت هذه الكتائب داخل المؤسسة العسكرية وهل يستطيع الجيش فعلا ان يتحول الى مؤسسة قومية حديثة بينما ما تزال داخله تشكيلات تشبه جيوشا موازية ترفع شعارات دينية وتنظر الى الحرب باعتبارها معركة عقائدية لا صراعا سياسيا يجب ان ينتهي بتسوية وطنية واذا كان العالم اليوم يوجه رسالة واضحة برفض تسييس الدين واستخدامه في الصراع السياسي فهل يستوعب صناع القرار في السودان هذه الرسالة ام سيستمرون في الدوران داخل نفس الحلقة التي قادت البلاد الى الحرب والانقسام والدمار وهل يمكن لدولة تسعى للخروج من حرب مدمرة ان تبني مستقبلا مستقرا بينما يظل السلاح موزعا بين جيش رسمي ومليشيات ايديولوجية تتحرك داخل نفس المؤسسة ام ان السؤال الاكثر صراحة هو هذا هل الجيش السوداني جيش دولة ام تحالف معقد من كتائب وتنظيمات ومليشيات يجمعها ظرف الحرب اكثر مما تجمعها عقيدة وطنية موحدة وهل سيأتي اليوم الذي يعاد فيه بناء الجيش السوداني كمؤسسة مهنية خالصة ام سيظل اسير التناقض الغريب بين شعار الدولة وواقع المليشيات نواصل بمشيئة الله 11 مارس 2026 شارك تصفّح المقالات مجاهد بشري يكتب عن بيان خارجية سلطة بورتسودان بعد قرار واشنطن: هل يضرب البرهان الإسلاميين بسلاح مليشياته