بقلم: عمار سعيد لم يكن قرار الولايات المتحدة تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين في السودان ككيان إرهابي مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل حدثاً سياسياً قد يعيد تشكيل التوازنات داخل الدولة السودانية نفسها. فالقرار، في جوهره، لا يستهدف تنظيماً سياسياً فقط، بل يسلّط الضوء على شبكة نفوذ تراكمت داخل مؤسسات الدولة السودانية منذ ثلاثة عقود، وتمددت في الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام. لكن ما كشف عمق الإشكال الحقيقي لم يكن القرار الأميركي بحد ذاته، بل طريقة تفاعل السلطة في بورتسودان معه، وخاصة الخطاب الصادر عن وزارة الخارجية السودانية، الذي جاء غامضاً ومائعاً إلى حد لافت. هذا الغموض لم يكن مجرد حذر دبلوماسي، بل بدا بالنسبة لكثير من المراقبين دليلاً على حجم النفوذ الذي ما زال التيار الإسلامي يمارسه داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الخارجية نفسها. خطاب الخارجية: الغموض الذي يقول أكثر مما يخفي في الأزمات الكبرى، كثيراً ما يكون ما لا يُقال أهم مما يُقال. بيان وزارة الخارجية السودانية عقب القرار الأميركي اتسم بلغة حذرة ومراوغة: لم يرحب بالقرار، ولم يعارضه صراحة، ولم يتبنَّ موقفاً واضحاً يقطع الصلة بين الدولة السودانية والتنظيم المستهدف. بدلاً من ذلك، اكتفى البيان بصياغات فضفاضة تتحدث عن رفض التدخلات الخارجية واحترام السيادة الوطنية، وهي لغة باتت مألوفة في بيانات الأنظمة التي تجد نفسها في موقف حرج بين ضغوط الخارج وتوازنات الداخل. غير أن اللافت في هذا الخطاب أنه لم يحاول حتى استثمار القرار لتأكيد استقلال الدولة عن التنظيمات الأيديولوجية. لو كانت الحكومة السودانية راغبة فعلاً في إرسال رسالة إلى المجتمع الدولي بأنها ليست امتداداً للمشروع الإسلامي الذي حكم السودان ثلاثين عاماً، لكان من المتوقع أن تصدر إشارات أكثر وضوحاً. غياب هذه الإشارة يوحي بأن الخارجية السودانية نفسها ليست مؤسسة محايدة بالكامل في هذا الملف. فالكثير من كوادرها القيادية صعدت خلال سنوات حكم الإسلاميين، وظلت مرتبطة شبكياً وسياسياً بذلك الإرث. لذلك بدا البيان وكأنه محاولة لتجنب إغضاب طرفين في آن واحد: الولايات المتحدة من جهة، وشبكات الإسلاميين داخل السلطة من جهة أخرى. لكن في السياسة، المواقف الرمادية لا تدوم طويلاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف بحجم تصنيف تنظيم إرهابي. البرهان بين الحاجة إلى الإسلاميين والخوف منهم هذا التردد الرسمي يعكس مأزقاً أعمق يواجهه عبد الفتاح البرهان نفسه. فمنذ اندلاع الحرب، اعتمد الجيش السوداني بدرجات مختلفة على تعبئة قوى اجتماعية وسياسية قريبة من التيار الإسلامي، سواء عبر الخطاب التعبوي أو عبر تشكيلات مسلحة غير نظامية. لكن هذه العلاقة تحولت مع الوقت إلى سيف ذي حدين. فكلما ازداد اعتماد المؤسسة العسكرية على هذه الشبكات في الداخل، ارتفعت كلفة ذلك في الخارج، خاصة في ظل بيئة دولية أصبحت شديدة الحساسية تجاه الحركات الإسلامية المسلحة. القرار الأميركي وضع البرهان أمام معادلة صعبة: إما أن يبتعد تدريجياً عن الإسلاميين ويعيد تعريف الجيش كمؤسسة دولة لا كمظلة أيديولوجية، أو أن يستمر في التحالف معهم، وهو ما قد يضعه في مواجهة عزلة دولية متزايدة. لكن المشكلة أن البرهان لا يواجه حزباً سياسياً يمكن فك الارتباط معه بقرار إداري، بل يواجه شبكة نفوذ متغلغلة في الدولة منذ انقلاب 1989. صراع المليشيات: البطانة نموذجاً إحدى أخطر تجليات هذا الصراع تظهر في التنافس بين المليشيات المتحالفة nominally مع الجيش. ففي شرق السودان وولاية القضارف والبطانة، برزت مليشيات يقودها أبوعاقلة كيكل كقوة محلية مسلحة لها نفوذ ميداني واسع. في المقابل، ظهرت تشكيلات أخرى مرتبطة بشكل أوضح بالتيار الإسلامي، أبرزها كتائب البراء بن مالك، التي اكتسبت حضوراً إعلامياً وعسكرياً كبيراً منذ اندلاع الحرب، وتتبنى خطاباً أيديولوجياً واضحاً يقوم على تعبئة دينية وسياسية. التوتر بين هذين المعسكرين ليس مجرد خلاف ميداني عابر، بل يعكس صراعاً أعمق حول من يملك النفوذ داخل معسكر الجيش نفسه. فمليشيات كيكل تمثل نموذجاً لفاعلين محليين ذوي خلفية قبلية وإقليمية، لا يرتبطون تنظيمياً بالإسلاميين، بينما تمثل كتائب البراء بن مالك امتداداً مباشراً للتيار الإسلامي التعبوي. هل يستخدم البرهان كيكل لموازنة الإسلاميين في الأنظمة التي تقوم على التحالفات العسكرية المتعددة، غالباً ما يلجأ القائد إلى سياسة التوازن بين القوى المسلحة. أي دعم طرف معين مؤقتاً لكبح نفوذ طرف آخر. من هذه الزاوية، يمكن قراءة صعود مليشيات كيكل كأداة محتملة بيد البرهان لخلق توازن مضاد للكتائب الإسلامية داخل المعسكر نفسه. فوجود قوة مسلحة غير مرتبطة أيديولوجياً بالإسلاميين يمنح البرهان هامشاً للمناورة، ويمنع احتكار الإسلاميين للساحة التعبوية داخل الجيش. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة. فالتاريخ السوداني مليء بالأمثلة على القوى المسلحة التي جرى استخدامها كأدوات توازن مؤقتة، قبل أن تتحول إلى مراكز قوة مستقلة يصعب السيطرة عليها. بمعنى آخر، قد يجد البرهان نفسه أمام معضلة كلاسيكية: إضعاف الإسلاميين عبر تقوية قوى محلية مسلحة قد يؤدي في النهاية إلى تفتيت احتكار الدولة للسلاح أكثر مما هو عليه الآن. مناوي والبحث عن مربع الحياد في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن مني أركو مناوي يدرك جيداً خطورة الانخراط الكامل في أي من هذه الصراعات الداخلية. فالمشهد الحالي يشير إلى احتمال تشكل مفاصلة داخل المعسكر الحاكم نفسه: بين جناح عسكري يسعى للحفاظ على علاقات إقليمية ودولية مستقرة، وجناح إسلامي يرى في الحرب فرصة لاستعادة النفوذ السياسي الذي خسره بعد سقوط البشير. في مثل هذه الظروف، قد يسعى مناوي إلى إعادة التموضع في مربع الحياد النسبي، أو على الأقل تجنب الارتباط الكامل بأي معسكر قد يخسر في معركة إعادة تشكيل السلطة. معركة كسر العظم في نهاية المطاف، لا يبدو أن السودان يتجه نحو تسوية قريبة. بل على العكس، كل المؤشرات تشير إلى أن القرار الأميركي قد يفتح الباب أمام صراع داخلي داخل معسكر السلطة نفسه. هذا الصراع لن يكون فقط بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل قد يمتد إلى داخل المؤسسة العسكرية وشبكاتها الحليفة: بين من يرى أن بقاء الدولة يتطلب الابتعاد عن الإسلاميين، ومن يرى أن الإسلاميين هم العمود الفقري الذي لا يمكن التخلي عنه في هذه الحرب. وفي مثل هذه اللحظات، غالباً ما تدخل الأنظمة مرحلة “كسر العظم”: حين تبدأ مراكز القوة داخلها في اختبار حدود بعضها البعض. وهذا تحديداً ما قد يكون السودان على أعتاب رؤيته الآن. شارك تصفّح المقالات واشنطن والإسلاميون في السودان سقوط مشروع تسييس الدين