عبدالعزير بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان

منذ ان استولت الحركة الاسلامية على السلطة في السودان عبر انقلاب 30 يونيو 1989 لم يكن الامر مجرد انقلاب عسكري تقليدي بل كان مشروعا سياسيا منظما لتمكين تنظيم عقائدي داخل مؤسسات الدولة وعلى راسها القوات المسلحة يومها ظهر الضباط في الواجهة بينما بقي قادة الحركة الاسلامية في الظل في مشهد سياسي يعكس قدرا كبيرا من الحرج اذ لم تكن الحركة الاسلامية تملك الشجاعة الكافية لتعلن انها هي من قاد الانقلاب فاختارت ان تختبئ خلف الزي العسكري وتقدم ما جرى باعتباره حركة عسكرية وطنية لا انقلابا حزبيا

غير ان الوقائع التي تلت ذلك لم تترك مجالا كبيرا للشك فقد تحولت القوات المسلحة تدريجيا الى احدى اهم ساحات التمكين التنظيمي للحركة الاسلامية حيث جرى احلال الولاء التنظيمي محل المهنية العسكرية وتمت اعادة تشكيل مراكز القوة داخل الجيش بما يخدم المشروع السياسي للتنظيم وهكذا اصبحت المؤسسة العسكرية التي يفترض ان تكون مؤسسة قومية جامعة احدى ابرز المؤسسات التي خضعت لسيطرة الاسلاميين خلال عقود حكمهم الطويلة

لهذا السبب تحديدا يثير القرار الامريكي بتصنيف الحركة الاسلامية في السودان تنظيما ارهابيا اسئلة سياسية لا يمكن القفز فوقها فالقرار بصرف النظر عن مالاته القانونية او السياسية يسلط الضوء على تاريخ طويل من التداخل بين التنظيم الاسلامي ومؤسسات الدولة وخاصة المؤسسة العسكرية ومن هنا يصبح موقف قيادة الجيش وعلى راسها الفريق اول عبد الفتاح البرهان محل تساؤل مشروع

السؤال الذي يفرض نفسه ببساطة هو اذا كانت قيادة الجيش تؤكد اليوم انها لا علاقة لها بالحركة الاسلامية واذا كان الخطاب الرسمي يكرر ان المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية بعيدة عن التنظيمات الحزبية فلماذا لم يلق قرار تصنيف الحركة الاسلامية ترحيبا واضحا وصريحا

بل ان ما حدث كان على العكس تماما فقد تعالت اصوات داخل معسكر السلطة ترفض القرار او تتحفظ عليه بينما انحرف النقاش سريعا بعيدا عن جوهر الموضوع ليتحول الى جدل حول تصنيف قوات قوات الدعم السريع او مقارنات سياسية لا علاقة لها باصل القضية

هذه المفارقة السياسية تكشف عن اشكالية اعمق من مجرد موقف دبلوماسي فلو كانت العلاقة بين الجيش والحركة الاسلامية قد انتهت فعلا لكان من المنطقي ان ينظر الى القرار باعتباره شانا يخص تنظيما سياسيا بعينه لا مؤسسة الدولة اما الحساسية المفرطة تجاه القرار ومحاولة تحويل النقاش الى اتجاهات اخرى فهي توحي بان المسالة ليست بهذه البساطة

والواقع ان الشعب السوداني بخبرته الطويلة مع تاريخ الحكم في البلاد يدرك جيدا ان اول مؤسسة نجحت الحركة الاسلامية في اختراقها والسيطرة عليها كانت القوات المسلحة نفسها ومن داخل هذه المؤسسة جرى تنفيذ الانقلاب ومن خلالها ايضا تمت حماية المشروع السياسي للتنظيم طوال عقود

بل ان المفارقة الاكثر سخرية في هذا التاريخ ان الحركة الاسلامية رغم سيطرتها الكاملة على الحكم بعد انقلاب 1989 لم تعلن صراحة انها صاحبة الانقلاب فقد ظلت لسنوات طويلة تتعامل مع الامر كما لو انه مجرد حركة تصحيحية داخل الجيش وكان التنظيم الذي كان يملا الفضاء السياسي خطابا وتنظيرا لم يمتلك الجرأة الكافية ليعترف بان الانقلاب كان انقلابه

لقد كان ذلك نوعا من الخجل السياسي او ربما نوعا من الحذر التكتيكي لكن النتيجة كانت واحدة اخفاء الحقيقة خلف واجهة عسكرية بينما كان القرار السياسي الحقيقي يصدر من داخل بنية الحركة الاسلامية نفسها

لذلك يبدو المشهد اليوم اقرب الى المفارقة التاريخية فحين يطرح سؤال بسيط اين تقف المؤسسة العسكرية من الحركة الاسلامية تأتي الاجابة بالنفي القاطع لكن عندما يصدر قرار دولي بتصنيف هذا التنظيم يظهر قدر كبير من التوتر السياسي والاعتراض غير المبرر

ان المشكلة الحقيقية هنا ليست في القرار الامريكي ذاته بل في السؤال الذي يطرحه ضمنا هل انتهى فعلا نفوذ الحركة الاسلامية داخل مؤسسات الدولة ام ان العلاقة ما زالت قائمة ولكن بصيغ اكثر حذرا واقل ظهورا

وفي السياسة كما في التاريخ ليست الكلمات هي التي تحسم الاجابة بل المواقف ولهذا فان الصمت او التحفظ او محاولة تغيير موضوع النقاش لا تبدد الشكوك بل قد تزيدها وضوحا

فاذا كانت الحركة الاسلامية تنظيما منفصلا عن الدولة كما يقال فان موقف الدولة من تصنيفها يجب ان يكون واضحا وبسيطا اما اذا كان مجرد ذكر اسمها يثير هذا القدر من الحساسية السياسية فان السؤال القديم سيظل مطروحا من جديد

هل اختفت الحركة الاسلامية فعلا من المشهد ام انها ما زالت هناك ولكن بزي عسكري

نواصل
بمشيئة الله
بتاريخ
١٢ /مارس /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *