منعم سليمان في فقه الدبلوماسية، ثمة قاعدة غير مكتوبة لكنها معلومة بالضرورة: أن الدولة – أي دولة – تحرص على تسويق نفسها ككيان عاقل، رصين، ومتسق، حتى وهي تخوض أعتى صراعاتها الوجودية. لكن البيان الأخير الصادر عن خارجية سلطة بورتسودان، تعليقاً على قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف إخوان السودان تنظيماً إرهابياً عالمياً، قد نسف هذه القاعدة من جذورها. لم يضف البيان صفحة جديدة لسجل الدبلوماسية السودانية فحسب، بل فتح فصلاً كاملاً في مسرح العبث السياسي؛ فصلٌ يختلط فيه الارتباك بالهزل، ويصعب فيه التمييز بين الموقف الرسمي والمشهد الكاريكاتوري الساخر! لم يكتفِ البيان بالاحتجاج أو التحفظ وفق الأعراف البروتوكولية، بل ذهب إلى ما هو أبعد: لقد بدا وكأنه رسالة استجداء علنية لواشنطن. فحوى الرسالة يقول بلسان حالٍ بائس: إذا وصمتمونا بالإرهاب، فلتصموا خصومنا أيضاً… فنحن في الهم سواء! هكذا، وبجرّة قلم، تحولت وزارة الخارجية تحت سلطة البرهان إلى جهة اقتراح لمكتب الأصول الأجنبية الأمريكي “أوفاك”، ولم يعد ينقص المشهد سخرية سوى أن تخصص نافذة دعائية على طريقة الإعلانات القديمة: اقترح جماعتك المفضلة للإدراج في قوائم الإرهاب وخذ براءة! المفارقة التي تثير الرثاء والضحك معاً هي أن السلطة المصدرة للبيان ليست سوى الامتداد العضوي للجماعة المستهدفة بالعقوبات. فهي – من ساسها إلى رأسها – تحت سطوة التنظيم المصنف إرهابياً؛ بل إن من يشغل منصب وزير خارجيتها نفسه – على سبيل المثال لا الحصر – هو كادر أصيل في الحركة الإسلامية الإرهابية التي ما زالت تمسك بخيوط السلطة الهشة وتدير مفاصل النفوذ داخل قيادة الجيش البئيس. الأخطر من ذلك هو السابقة التي يبتدعها البيان في العلاقات الدولية. فمن النادر، إن لم يكن منعدماً في الأولين والقادمين، أن تطالب حكومة دولة أخرى بوصم مواطنيها أو خصومها المحليين بالإرهاب. فالدول المحترمة تذود عن سيادتها وقضائها، ولا تستجدي عواصم بعيدة لتدير لها معاركها الداخلية بالوكالة، ولكن بورتسودان ليست مشروع دولة، بل هي مشروع لصوصي سلطوي بُني على جرف هار فانهار عليهم وبالاً وإرهاباً .. والقادم أفضل. لقد كان القرار الأمريكي جلياً في حيثياته وتوقيته: الارتباط الوثيق بـ “إيران”. وهنا يبرز السؤال: هل لقوات الدعم السريع تصورات خيالية للعالم أو صلات بمشروع تصدير الثورة أو الإرهاب العالمي؟ هل هي قوات عقائدية ترفع شعارات “الموت لأمريكا” و “إلقاء إسرائيل في البحر”، ثم تعد المغرر بهم باللهو البذيء مع أرامل الشهداء وحور الجنان… إلخ، تلك الخزعبلات التي يُزج بها بالبسطاء في أتون حربٍ على السلطة، يخدعون فيها الناس باسم الله! البيان الفكِه/الحزين ينتهي إلى خلاصة بائسة يائسة تقبع بوضوح بين السطور في هذا المشهد البرهاني السطحي: نعم، نحن إرهابيون… ولكننا جميعاً إرهابيون! السودانيون يستحقون وطناً أطهر من هذا العهر. شارك تصفّح المقالات حين يصنف الاصل ارهابا ويتظاهر الفرع بالدهشة م. عبدالملك زكريا علي يكتب ..إتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان [الحقيقة الغائبة]