م. عبدالملك زكريا علي

 

إن اتفاقية الدفاع المشترك التي تعود جزورها الي سبعينيات القرن الماضي لا تخلو من حقائق غائبة وتحولات استراتيجية للامن القومي المصري المتكأ علي العمق الجنوبي للدولة المصرية والعمق الجنوبي هو جمهورية السودان التي التي فرطت وما زالت تفرط في ممسكات الامن القومي واول هذه الممسكات الغائبة هي اتفاقية الدفاع المشترك وتوابعها من بقية الاتفاقيات بين السودان ومصر … حيث تمثل العلاقات العسكرية والامنية بين البلدين نموزجا للارتباط العضوي للانظمة الحاكمة والارتباط الغير صادق لمفهومي السيادة والامن القومي … حيث يتجاوز هذا الارتباط حدود التنسيق الدبلوماسي التقليدي ليصل الي مستوي التنسيق الجيوسياسي الاكثر غيابا وتغبيشا لمفهوم المصالح العليا للشعبين والرؤية المصرية والتي لا تري السودان الا تابعا وانظمة تحت الوصايا والتاج المصري .

الاتفاقية شهدت محاولات احياء مكثفة في العقد الثالث من القرن الحالي والاتفاقية ليست مجرد وثيقة قانونية بل هي انعكاس لعقيدة امنية تري في وادي النيل مسرحا عملياتياً واحدا لايقبل التجزئة … ونهدف من هذا التحليل الي الابحار في هذه الاتفاقية واستعراض الحقائق الغائبة التي احاطت بتطبيقها والتحولات الدراماتيكية التي طرأت عليها في ظل الصراع الدامي الذي يشهده السودان وصولا الي التطورات العسكرية والسياسية المتلاحقة .

# – التشريح القانوني والتاريخي لإتفاقية ١٩٧٦م : في ١٥ يوليو ١٩٧٦م وقع الرئيسان انورالسادات وجعفر نميري إتفاقية الدفاع المشترك في مدينة الاسكندرية في لحظة فارقة إتسمت بتهديدات إقليمية مباشرة لنظام نميري ، لا سيما محاولة المعارضة السودانية للنظام آنذاك ( الاتحادي الديموقراطي والامة والاخوان المسلمون … تحالف الجبهة الوطنية ) والتي اطلق عليها النميري المرتزقة … والتي جرت في الثاني من يوليو ١٩٧٦م بدعم ليبي واضح وكانت الاتفاقية في جوهرها درعاً امنيا صممه السادات لحماية السودان من التغلغل السوفيتي وتهديدات القذافي وضمان إستقرار الجبهة الجنوبية لمصر في ظل إنشغالها بترتيبات ما بعد حرب اكتوبر ١٩٧٣م وهنا بيت القصيد … وتضمنت الاتفاقية ثمانية بنود رئيسية اسست لمنظومة دفاعية متكاملة … حيث نصت المادة الاولي منها علي التزام الدولتين بإعتبار اي اعتداء علي إحداهما يعتبر إعتداء علي الاخري وهو ما منح القاهرة الحق القانوني للتدخل العسكري المباشر لحماية الشرعية في الخرطوم وهذا البند هو الثابت في اي بروتكول او اتفاقية او ميثاق ؟؟؟!!! كما حددت المادة السابعة مدة سريان الاتفاقية ب(٢٥ سنة) مع ميزة التجديد التلقائي ما لم يعلن احد الطرفين انسحابه رسمياً قبل عام من تاريخ الانتهاء ، وهي الثغرة القانونية التي استندت اليها مصر لاحقا للقول بإستمرارية الاتفاقية رغم تقلبات الانظمة الحاكمة في السودان ؟؟!!

# – البنود والاليات والوظائف والابعاد القانونية والتنفيذية :

أ- مجلس الدفاع المشترك : مهامه رسم السياسات العليا ويضم وزراء الخارجية والدفاع ويتخذ قرارات الحرب والسلم .

ب- هيئة الاركان المشتركة : تطلع بمهام التنسيق الميداني وتوحيد خطط العمليات وتطوير نظم التسليح والتدريب .

ج- الاعتداء المتبادل : مهمة الردع الجماعي وسرية المعلومات والحماية الاستخباراتية وإلزام الطرفين بتبادل المعلومات حول التهديدات الخارجية والمحلية !!! . وتشير الحقائق الغائبة عن تلك الفترة الي ان الاتفاقية ترجمت الي ممارسات ميدانية سرية وذلك بإعتقاد القوي السياسية السودانية المعارضة لنظام النميري بان الطيران الحربي المصري وجهاز الاستخبارات ساهم في إحباط عدة محاولات لإسقاط نظام نميري وكمثال لذلك احداث الجزيرة ابا ١٩٧٠م وإنقلاب هاشم العطا ١٩٧١م وهي حقائق ماثلة مما اضفي علي الاتفاقية صبغة حماية الانظمة بدلا من حماية الدول . ولهكذا صممت الاتفاقية حماية للانظمة ومصالح مصر وعدم رسوخ حكم مدني ديموقراطي في السودان .

#- مرحلة الجمود والالغاء الآحادي : شهدت الاتفاقية قرار سوداني حسبه الجانب المصري انتكاسة كبري في شأن الاتفاقية … حيث اعلن السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء آنذاك في الثاني من ابريل ١٩٨٩م الغاء الاتفاقية من جانب واحد واستند في قراره الي ان الاتفاقية وقعت في عهد دكتاتوري وانها اصبحت عبئاً علي السيادة الوطنية وان ميثاق الاخاء الموقع عام ١٩٨٧م قد نسخ قانونيا التزامات الدفاع المشترك ومع ذلك ظلت القاهرة تلتزم الصمت الرسمي تجاه هذا الالغاء … معتبرةً ان الاتفاقيات الدولية لا تنقض بتصريحات سياسية عابرة بل عبر قنوات قانونية لم تستكمل ابدا مما ابقي علي الاتفاقية في حالة تجميد سريري لاكثر من ثلاثة عقود … وخلال فترة حكم الانقاذ اتسمت العلاقات العسكرية بالتذبذب الحاد حيث وصل التوتر ذروته في منتصف التسعينيات عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اديس ابابا … ولكن الضرورات الجيوسياسية المتعلقة بأمن البحر الاحمر وتقاسم مياه النيل ظلت تفرض نوعاً من التنسيق الادني خاصة مع بروز تهديدات الحركات الانفصالية في جنوب السودان والضغوط الدولية علي الخرطوم ومع ذلك عجزت الاتفاقية والعلاقات الازلية من التمسك بوحدة السودان وحمايتها .

#- إحياء العقيدة الامنية : بروتوكلات ٢٠٢١م وسياق سد النهضة : عقب ثورة ديسمبر ٢٠١٩م حيث رأت المؤسسة العسكرية المصرية فرصة تاريخية لاستعادة النفوذ الاستراتيجي وتامين الخاصرة الجنوبية المصرية في ظل التهديد الوجودي الذي مثله سد النهضة الاثيوبي ، وفي مارس ٢٠٢١م وقع رئيس اركان القوات المسلحة المصرية الفريق اول ركن محمد فريد ونظيره السوداني الفريق اول ركن محمد عثمان الحسين إتفاقية جديدة للتعاون العسكري اعتبرت بمثابة تحديث وتفعيل لبنود اتفاقية ١٩٧٦م حيث لم يكن هذا الاحياء مجرد اجراء بروتوكولي بل تضمن انتقالا نوعيا نحو التدريبات القتالية المشتركة التي حملت اسماء ذات دلالات عميقة مثل نسور النيل وحماة النيل كانت هذه المناورات بمثابة رسالة ردع واضحة لاديس ابابا ومن ثم للداخل مفادها ان المجال الجوي والبري السوداني اصبح مفتوحا للعمليات المشتركة في حال تعرض الامن المائي (للبلدين) للخطر . وكذلك لما لهذه المناورات من مدلولات من حيث النشاط العسكري والتوقيت والمكان والهدف الجيوسياسي … حيث كان نشاط نسور النيل (١ و٢) .. ٢٠٢٠ _ ٢٠٢١م بقاعدة مروي هو التدريب علي قصف الاهداف الاستراتيجية بعيدة المدي وحماة النيل مايو ٢٠٢١م بولاية الخرطوم لإظهار القدرة علي الحشد البري والجوي المشترك بمشاركة كافة الاسلحة .. وحارس الجنوب (١) ٢٠٢١م علي الحدود المصرية لمكافحة التسلل الارهابي عبر المناطق الصحراوية الوعرة . بالاضافة لتواجد القوات المصرية بقاعدة مروي ٢٠٢١_٢٠٢٣م كنشاط نقطة ارتكاز متقدمة للقوات الجوية المصرية بالقرب من مناطق التوتر المحلية والاقليمية .

إن الحقائق الغائبة في بروتوكولات ٢٠٢١م تتمثل في الطموح المصري لانشاء نموزج عسكري مصري متكامل في السودان يحاكي النموزج المصري الاصل .. حيث يري المخطط الاستراتيجي في القاهرة ان المؤسسة العسكرية السودانية هي الضامن الوحيد لتدفق مياه النيل الازرق دون عوائق وهو ما يعرف بعقيدة النظام المعسكر ( Militarized order Doctorine) والقارئ كله نظر وعلي النخب السياسية السودانية تحسس موطئ قدميها .

#- عقيدة الخطوط الحمراء المصرية في السودان : مع اكمال حرب ١٥ ابريل عامها الثالث الا قليل وتصاعد وتيرة التهديدات بتفكيك مؤسسات الدولة السودانية الهشة احدثت القاهرة تحولا جوهريا في خطابها الاستراتيجي حيث اعلنت في نهايات العام ٢٠٢٥م بوضوح عن خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض مشددةً علي اتفاقية الدفاع المشترك تظل المرجعية القانونية لاي تدخل عسكري (خارجي) قد تضطر اليه ؟؟؟!!! وبالنظر الي محددات الخطوط الحمراء نجد انها تتجاوز مجرد حماية الحدود لتشمل الوجود المؤسسي للدولة ووحدة التراب الوطني ككل ورفض اي محاولات انفصالية او تقسيم فعلي او اي تهديد سيادي … حيث تعتبر القاهرة ان سقوط الجيش السوداني كطرف (شرعي وحيد) يعني تحول السودان الي تقب اسود يهدد الملاحة عبر البحر الاحمر ويمنح اثيوبيا سيطرة مطلقة علي منابع النيل ومنع اي قوة اياً كانت من السيطرة علي منشآت الري والتاثير علي حصة مصر واعتبار المساس بالمياه تهيديداً وجودياً مما يحتم التدخل العسكري المباشر تحت مظلة الدفاع المشترك لضمان تماسك القيادة العامة حسب الاستراتيجية المصرية !!!

#- الحقائق الغائبة :-

هناك جملة من الحقائق الغائبة تمثل حرب اخري حول الموارد وطرق الامداد كمثلث جبل العوينات الذي يمثل الجبهة الغائبة عن التحليلات وسيطرت الدعم السريع عليه تعني مصر بالدرجةولذلك نفذت القوات الجوية المصرية ضربات جوية استهدفت قوافل الدعم السريع داخل المثلث كاول تطبيق عملي لمفهوم الدفاع الاستباقي خارج الحدود السودانية التقليدية منذ بداية الحرب … اضافة الي ان اثيوبيا تعتبر الطرف الاكثر استفادة من تحييد قدرات الجيش السوداني ومنع تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك لذلك تري اثيوبيا ضرورة التحول من دور الوسيط الي لعب دور يمنع قيام حلف وادي النيل العسكري حتي لا تنتقص سيادتها المائية وكذلك المكاسب التي حققتها بفرض سياسة الامر الواقع بملء وتشغيل سد النهضة حيث تري القاهرة في المقابل ان حماية الدولة السودانية هو المصد الاخير قبل المواجهة المباشرة مع اثيوبيا … فضلا عن التباين المصري الاماراتي حيث ان العلاقة السودانية الاماراتية واحدة من اعقد ملفات الحقائق الغائبة في الازمة السودانية …ابوظبي كانت طوق نجاة اقتصادي لمصر بإسثماراتها الضخمة مثل صفقة راس الحكمة بقيمة (٣٥) مليار دولار والعمل علي تأمين مصالحها الاستراتيجية كالذهب والجيوسياسية في البحر الاحمر بدعمها للدعم السريع … هذا التباين يضع صانع القرار المصري في كماشة فمن ناحية لا يمكن لمصر التخلي عن الجيش السوداني لاعتبارات امنية وجودية ومن ناحية اخري تخشي من توقف تدفق الاستثمارات الاماراتية الحيوية ورغما عن ذلك تشير المعطيات الي تغلب العقيدة الامنية لترجيح كفة التدخل لصالح الجيش مع محاولة لعب دور الوسيط الخشن الذي يضغط علي الامارات لتعديل سلوكها مع السودان مقابل الحفاظ علي المصالح الاقتصادية المشتركة كيف ذلك ؟؟؟ ومن الحقائق الغائبة ورغم تحرك الرمال الكثيف في الازمة السودانية برز الدور الامريكي وتمثل في رسالة الرئيس ترامب الي الرئيس السيسي يعرض فيها تجديد جهود الوساطة في ملف سد النهضة والبحث عن مخرج للازمة السودانية في محاولة لاقناع مصر في اطار مساعيها تفعيل اطرها الدفاعية المشتركة بعدم تحول ذلك لحرب اقليمية مع اثيوبيا وهاهي مصر تُفعل قواعدها الجوية لضرب طرف الدعم السريع بالمسيرات والطيران بدلا من لعب دور الوسيط المحايد وهاهي امريكا تسبك طبخها لطرح هدنة انسانية ووقف لاطلاق النار وبقية اعضاء الرباعية السعودية والامارات ومصر للتصفيق والمباركة ودخول بريطانيا كطرف ملم بالواقع اكثر من غيرها من دول الرباعية لهندسة آلية فعالة لمراقبة الهدنة ووقف اطلاق النار وهندسة الحوار السياسي … كل هذه حقائق غائبة فرضتها اتفاقية الدفاع المشترك والتي دائما ما تلقي بظلالها علي المشهد السوداني الجيوسياسي وتشده شدا الي خانة الانظمة القابضة لانها تخشي من الحرية والديموقراطية وهذا ما يقودنا الي مواقف القوي السياسية التي لا تحظ اتفاقية الدفاع المشترك بالاجماع عليها مما يمثل تحديا كبيرا لشرعية تفعليها حيث ترفض بعض القوي المدنية بشدة التدخل العسكري المصري وتري انه يطيل امد الحرب اضافة لموقف الدعم السريع والذي يري في الاتفاقية انتقاصا للسيادة واعلان حرب ويتهم مصر مباشرة بالتدخل الفعلي في الحرب لصالح الجيش وهي فعلا تدخلت متزرعةً بالاتفاقية والبروتوكولات والتي يقتل بعضها بعضا وتمسك مصر بها يحيها بعد مواتها خدمة لمصالحها … بينما يري الجيش ان في الاتفاقية طوق نجاة ويطالب بتفعيل لكامل بنودها بما فيها نشر قوات مصرية في المناطق المستقرة ليتفرغ هو للعمليات القتالية ضد الابرياء الذين يختارهم بعناية !!!؟؟؟.

#- ان اتفاقية الدفاع المشترك في بعدها الاستراتيجي وبحقائقها المعلنة والغائبة تمر باخطر مراحلها منذ خمسين عاما حيث انها لم تعد مجرد نص للتعاون بل تحولت الي اطار للتدخل المسمي ضروري لحماية المصالح الحيوية للدولة المصرية في ظل انهيار البيئة الامنية السودانية … ووفقا للسيناريوهات المحتملة التالية ميدانية كانت او جيوسياسية متمثلة في :

أ- سيناريو الحسم الموجه: غطاء جوي مصري مكثف للجيش تحت بند الدفاع المشترك وإستعادة الجيش للمدن الكبري واجبار الدعم السريع علي التفاوض من موقع ضعف .

ب- سيناريو الردع الاقليمي : تفعيل مجلس الدفاع المشترك وارسال رسائل تحذيرية لاثيوبيا والامارات وتجميد الصراع في نقاط تماس معينة وتحول السودان الي دولة مقسمة فعليا بإدارة عسكرية في الشمال والشرق .

ج- سيناريو الصدام الشامل : انخراط وحدات مصرية برية في حماية الشمال والشرق وتحول الحرب الي صراع اقليمي مباشر يشترك فيه المحور المصري ضد محور اثيوبيا والدعم السريع والي حد ما بعض دول شرق افريقيا .

في الختام تظل اتفاقية الدفاع المشترك المختلف حولها من القوي السياسية وبالطبع الغير مجمع عليها من الشعوب السودانية تظل هي الاداة الاولي والاخيرة في عدم استقرار السودان وتحوله الي دولة مدنية ديموقراطية وهي ايضا تيرمومتر العلاقات السودانية مع دول الجوار والاخوة الافريقية والعربية … وهي اتفاقية لحماية الانظمة المطيعة لمصر اما وحدة السودان فتلك ملهاة لاغير وما انفصال الجنوب ببعيد وهو خير اختبار حقيقي للاستراتيجية المصرية تجاه السودان والعلاقات الازلية . ان الحقائق الغائبة تشير بوضوح الي ان المعركة والازمة في السودان هي معركة مصرية بامتياز … وانها نهاية لنظام الامن القومي العربي في حوض النيل والبحر الاحمر الغائب ونهاية السيادة المصرية علي السودان .

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب

م. عبدالملك زكريا علي

مارس ٢٠٢٦م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *