بقلم/إيهاب مادبو الجلابية بي زرايرا العمة “كنيبو” الهوا شايلا مرض القليب ما ليهو دوا نسافر سوا نغير هوا مرض القليب ما ليهو دوا توضيح “هذا المقال موجه بالأساس إلى المهتمين بالموسيقى والتراث الشعبي، أولئك الذين ينظرون إلى الفنون التقليدية لا بوصفها ترفاً جمالياً، بل كوثيقة حية تختزن ذاكرة المكان وتعبر عن وجدان الجماعة” واحاول في هذا المقال ايضا أن أقترب كثيراً من رقصة “أم قردو” التي تشتهر عند قبيلة “البرقد” لا بوصفها مجرد تعبير فولكلوري عابر، بل كمنتج جمالي مركب، تشكل عبر تراكمات الذاكرة الجمعية في بيئة غرب السودان، خصوصا في الفضاء الثقافي المتداخل بين دارفور وكردفان. وهي رقصة ترتبط تاريخيا بثقافة قبيلة البرقد، حيث تتجاوز كونها أداء جسديا إلى كونها نصا حركياً مشحونا بالدلالات، والقيم الإنسانية، حيث تقوم الرقصة على بنية إيقاعية بسيطة ظاهريا، لكنها عميقة في تأثيرها؛ إذ يعتمد الإيقاع على “الصفقة” الجماعية التي تشكّل العمود الفقري للحركة، وتخلق حالة من التماهي بين الراقصين والجمهور. هذا التماهي يضعنا أمام مفهوم “الجسد الجماعي”، حيث يذوب الفرد داخل الكل، وتتحول الرقصة إلى طقس يعيد إنتاج الانتماء. الحركة في هذا السياق ليست اعتباطية؛ فهي محكومة بنظام تعبيري دقيق، تُستخدم فيه الإيماءات من التفاتة الرأس إلى انحناءة الجسد كلغة غير منطوقة. وهنا تكمن قوة الرقصة: قدرتها على نقل المعنى دون وسيط لغوي، معتمدة على الحس الإيقاعي والذاكرة الحسية للمجتمع. غير أن الإشكال النقدي يظهر عند انتقال هذا الشكل الفني من بيئته الأصلية إلى مركز ثقافي مختلف، فالأهزوجة المرتبطة بالرقصة، والتي تبدأ “الجلابية بي زرايرا… العمة كنيبو الهوا شايلا…” تعرضت لتحويرات لحنية واضحة حين أُعيد تقديمها ضمن سياق “أغنية الوسط” بصوت المطربة فهيمة عبدالله. هذه المعالجة، رغم أنها ساهمت في انتشار النص، إلا أنها حملت في طياتها نوعاً من “إعادة التمركز الثقافي”، حيث يعاد إنتاج العمل بما يتناسب مع ذائقة مهيمنة، غالبا على حساب خصوصيته الأصلية. هذا التحوير يطرح سؤالا نقديا مهما: هل نحن أمام تطوير فني مشروع، أم أمام تذويب لهوية محلية داخل قالب مركزي يحاول تعريف الفن والثقافة وفق فرضياته “هو” لا “هم” ؟ ومن زاوية جمالية، يمكن القول إن النسخة التي أجريت عليها معالجات بصوت “فهيمة عبدالله” فقدت شيئاً من “خشونة” الإيقاع البدائي، تلك الخشونة التي تمنح العمل صدقه وارتباطه بالأرض. ففي بيئته الأصلية، الإيقاع ليس مجرد خلفية صوتية، بل هو امتداد للطبيعة ولصوت الريح، وخطو الإنسان على التراب، ونبض الحياة اليومية. أما في النسخة المعاد إنتاجها، فقد خضع الإيقاع لتهذيب تقني، جعله أكثر سلاسة، لكنه أقل كثافة شعورية. كذلك، فإن الرقصة في سياقها التقليدي تحمل وظيفة اجتماعية واضحة؛ فهي مرآة لقيم الجماعة، تعكس مفاهيم الفخر، والأنوثة، والتماسك،فالزيّ التقليدي “الجلابية” ليس عنصرا جماليا فقط، بل هو حامل رمزي للهوية وعند فصل هذه العناصر عن سياقها، تصبح الرقصة عرضا جماليا أكثر منها ممارسة ثقافية حية. تكشف رقصة “أم قردو” عن إشكالية أوسع في التعامل مع التراث الشعبي: كيف يمكن نقله إلى فضاءات جديدة دون أن يفقد روحه؟ فهي ليست مجرد رقصة، بل نص حي، يتعرض باستمرار لإعادة كتابة أحياناً بدافع الإبداع، وأحياناً تحت ضغط المركز الثقافي. شارك تصفّح المقالات من الكنابي إلى دلقو: حين يتحول النزوح إلى تهمة والانتماء إلى سؤال قهوة المارينز؟!