قهوة المارينز؟!

أبريل 8, 2026

الجميل الفاضل يكتب

​لفتني قول “دان كين”، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، للصحفيين أمس:

​«لقد استهلكنا أكثر من ستة ملايين وجبة، وأكثر من 950 ألف جالون من القهوة، ومليوني مشروب طاقة، وكمية كبيرة من النيكوتين، لكنني لا أقول إن لدينا مشكلة».

​950 ألف جالون من القهوة! لو كان الجنرال “كين” يعرف ما قيل عن هذا المشروب قبل ستة قرون، لربما توقف هنيهة ليكتشف السر الكامن في هذا السائل الساحر؛ ذاك الخيط الرفيع الرابط بين الشرق والغرب، وبين لهب النار ونور البصيرة.

​خارج غرف “البنتاغون”، وفي اليوم الثامن والثلاثين من عملية «ملحمة الغضب»، كانت القهوة تُشرب أيضاً «لما شُربت له».

انطلقت في ذلك اليوم الطائرات والصواريخ كالبرق، وفي غرف السيطرة، كانت الشاشات ترتجف من صدى انفجارات بعيدة، بينما كانت الأكواب السوداء تتدفق في العروق كالدم، تُغذي أجساد جنودٍ يرفضون الاستسلام للنوم.

​لو صُبّت تلك الجالونات في بحر، لأصبح بحراً أسود يغلي.

في خيام الجنود، وفي أعماق الغواصات، وعلى متن الدبابات المتربصة في الظلام، كانت القهوة تُغلى وتُصب، وكأن كل رشفة منها “نار سائلة” تحيل التعب المميت إلى يقظة حارقة.

لقد صدق الجنرال “بنيامين بتلر” حين قال ذات يوم: «إذا حصل رجالك على قهوتهم باكراً، فإنك تستطيع الاحتفاظ بموقعك».

​وفق اعتراف “كين”، أثبتت القهوة وجودها كجندي صامت لا يطلب راحة.

فبين انفجار وآخر، كانت الرشفة الواحدة تعيد للطيار المنهك اتزانه علي مقود الطائرة.

ستة ملايين وجبة في 38 يوماً، والقهوة حاضرة دائماً «لما شُربت له»: للنصر، للبقاء، وللمطاولة.

​يبدو أن الجنرال “كين” قد لمس، دون أن يدري، خيطاً تاريخياً يمتد من جبال اليمن إلى سماء “إيران” البعيدة.

هو يتحدث عن مئات آلاف الجالونات في سياق لوجستي، بينما كان الشيخ الصوفي “علي بن عمر الشاذلي” قبل ستة قرون، في زاوية متواضعة بجبال اليمن الوعرة، يغلي تلك الحبوب لغرض آخر.

هناك، حيث الليل طويل والجفون مثقلة، أطلق الشاذلي كلمته التي لم يسمعها “كين”، لكن صداها فاح أمس في قاعة البنتاغون: «القهوة لما شُربت له».

​شربها المتصوفة فاتقدت أذهانهم، وانفجرت الأنوار من حولهم، حتى توجوها باسم «شراب أهل الله».

كانت الفناجين تدور بين المريدين، وكلما دارت، ارتقى الصحو وازدادت اليقظة، ليرتفع الذكر والتسبيح إلى عنان السماء.

من اليمن إلى مكة والقاهرة وتونس، انتشرت كالطبيعة الأم؛ في مجالس التهجد والموالد، كانت تُشرب للقرب وللوصل.

​هي ذات النار، وذات الجذوة.

في «ملحمة الغضب» يقاتلون بالصواريخ، وفي “الزوايا” يتناجون بالأوراد، وتظل القهوة سلاحاً مشتركاً يُسخّر في نهاية المطاف “لما شُرب له”.

​لكن القهوة لم تكتفِ بجبهات الحرب وحلقات التصوف، بل اقتحمت أخطر الجبهات: جبهة الحب، حيث النار أشد اشتعالاً والجرح أعمق.

في مقاهي إسطنبول وبيروت وباريس، كانت القهوة الشاهد الوفي.

عنها قال نزار قباني: «القهوة هي عجوز معمّرة، لها أحفاد بررة يقبّلونها كل صباح ومساء».

ومن قلب حصار بيروت، كتب محمود درويش في «ذاكرة للنسيان»: «أريد رائحة القهوة لأتماسك.. القهوة أخت الوقت، تُحتسى على مهل، هي تأمل وتغلغل في النفس والذكريات».

​كم ليلة قضاها عاشق يكتب قصيدته، والقهوة تحرسه من برد الليل ونعاس الجفون الخائنة؟ هي التي تجعل القلب يخفق كطبل حرب، والكلام يتدفق كنهر ساخن.

نفس اليد التي تضغط الزناد، هي التي تضغط زر “ماكينة القهوة”، ونفس القلب الذي يرتجف خوفاً على وطن، يخفق حباً لامرأة.. والقهوة تُشرب دائماً «لما شُربت له»: للشوق، للانتظار، ولجمع النيران كلها في فنجان واحد.

​في اليوم الثامن والثلاثين للحرب، وقف الجنرال “كين” ليعترف ضمنياً بأن النصر لم يكن للصواريخ الذكية وحدها، بل كان لتلك الجالونات التي لم تنم يوماً واحداً.

​القهوة ليست مجرد مشروب؛ إنها مقاتل أبدي.

تُشرب «لما شُربت له»:

​في ساحة الحرب: توقظ عين الصقر.

​في زاوية التصوف: تُشعل ذكر الله.

​في مجلس الحب: تصنع شغفاً لا ينطفئ.

​من جبال اليمن الخضراء إلى سماء العمليات المشتعلة، ومن خيمة الجندي إلى مقهى العشاق، تقاتل القهوة بصمت.

لا تطلب وساماً ولا شهرة، تكتفي بأن تُغلى وتُصب، ثم تعود للمعركة من جديد.. أقوى وأسخن، تظل وفية دائماً لما شُربت له.

​فإذا سألك أحد: «من البطل الحقيقي في كل مضمار؟»

قل بلا تردد: إنها القهوة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *