بقلم 

عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

 

 

في مشهد صادم لا يمكن فصله عن سياق سياسي مقلق ارتفعت اصوات تدعو الى طرد نازحين من كردفان ودارفور من الولاية الشمالية وكأن الوطن يمكن تقسيمه بالهتاف وكأن المواطنة يمكن سحبها عبر مكبرات الصوت ما يحدث ليس حادثة عابرة بل تعبير عن بيئة يتم فيها تغذية العنصرية والقبلية والجهوية والتخوين حتى تصبح الكراهية خطابا علنيا يجد من يصمت عنه او يبرره

 

الدستور الانتقالي لسنة 2005 لم يترك مجالا لهذا العبث فقد نصت المادة 31 على ان الناس سواسية امام القانون دون تمييز ونصت المادة 27 على ان وثيقة الحقوق ملزمة لكل سلطات الدولة ونصت المادة 44 على حرية التنقل والاقامة داخل السودان ونصت المادة 43 على حق السكن والتملك المشروع وهذه النصوص لا تحتمل التأويل ولا تسمح بطرد مواطن من جزء من وطنه بسبب اصله او جهته

 

القانون الجنائي لسنة 1991 كذلك يجرم التحريض على الكراهية والفتنة وكل فعل من شأنه تهديد السلام العام او الدعوة الى استهداف جماعة بعينها وهذه النصوص تضع مسؤولية مباشرة على عاتق الجهات العدلية لتحريك الاجراءات ضد كل من يدعو الى الطرد او الاقصاء لكن الصمت الرسمي يحول الجريمة الى سلوك متكرر ويمنح المحرضين شعورا بالحصانة

 

تاريخ السودان الاجتماعي قام على قيم مختلفة تماما حيث كان الناس يتقاسمون الشدة ويفتحون البيوت للنازحين دون سؤال عن الجهة او القبيلة وكانت الهجرة الداخلية جزءا طبيعيا من الحياة ولم تكن مصدرا للعداء ما يجري اليوم يمثل انحرافا خطيرا عن هذا الارث ومحاولة لاعادة تشكيل المجتمع على اساس الانقسام والخوف

 

النازح الذي هرب من الموت لا يجوز ان يعاقب على نجاته ولا يمكن ان يتحول الى عبء في نظر من يفترض انهم شركاؤه في الوطن ومن يصعد المنابر ليطالب بطرده يعتدي على حق اصيل ويهدد السلم الاجتماعي بشكل مباشر والاخطر من ذلك ان الصمت على هذه الدعوات يجعل الدولة شريكا فيها بالفعل او بالعجز وفي الحالتين تتآكل هيبة القانون وتضعف فكرة الدولة نفسها

 

قبول الاخر ليس شعارا اخلاقيا فقط بل هو اساس قانوني وسياسي لبناء دولة مستقرة المواطنة لا تتجزأ والحقوق لا تسقط بتغير المكان داخل الوطن والتنوع ليس خطرا بل مصدر قوة ومن يرفض الاخر يهدم فكرة الدولة الجامعة ويفتح الباب لصراعات لا تنتهي

 

ما يحتاجه السودان اليوم هو تفعيل حقيقي لنصوص الدستور خاصة المواد 27 و31 و43 و44 وتطبيق القانون دون تردد او انتقائية ومحاسبة كل من يروج لخطاب الكراهية والطرد فالعدالة لا تتحقق بالشعارات بل بالفعل الصارم الذي يحمي الناس ويصون كرامتهم

 

الرسالة واضحة للشعب السوداني لا تسمحوا بان يتحول الطرد الى امر عادي ولا تقبلوا ان يعاد تعريف المواطنة على اساس الجهة او الهوية الضيقة فقبول الاخر قوة وبناء الدولة العادلة يبدأ من الاعتراف بان هذا الوطن يسع الجميع دون استثناء

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٩/ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *