بقلم:نفيسة حجر

​يمر السودان اليوم بمنعطف هو الأخطر في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الحرب مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى زلزال يهدد وجود الدولة ذاته.

وفي خضم هذا الحطام، تتعالى أصوات تنادي بإنهاء “دولة 56” كحل جذري، بينما تبرز أصوات أخرى من داخل “المركز” تنادي بـ “بتر” أقاليم بعينها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الرجوع إلى القواعد التأسيسية سينقذ السودان حقاً، أم أنها باتت بمثابة “كحل في عين أعور” لن يزيد الواقع إلا قتامة؟

​إن المأزق الحقيقي يكمن في أن “التأسيس الأول” للسودان لم يأتِ هبةً، بل كان ثمرةً لدماءٍ غالية وأرواحٍ طاهرة قدمها السودانيون لكن النخب التي تسلمت زمام الأمر حولت ذلك الحلم إلى “تأسيس خديج”، وُلد مشوهاً بعيوب المركزية والامتيازات الضيقة.

​وهم المركزية والملكية الزائفة حيث ​لم تكن أزمة السودان يوماً في “فكرة الدولة”، بل في اختطافها من قبل نخب مركزية توهمت أن الوطن “ملكية خاصة” تمنحها حق منح المواطنة أو سلبها.

إن السودان ليس ضيعةً لأحد، بل هو عقد اجتماعي وشراكة مصيرية.

إن وضع “كحل” الإجماع الوطني في عين نظامٍ “أعور” لا يرى إلا مصالحه الفئوية لن يجدي نفعاً، ما لم نعيد تعريف الدولة ككيان يسع الجميع، وفاءً للدماء التي سُكبت لتأسيسها.

​حق المسمى.. السودان ملك من؟

​إن أقصى درجات العبث السياسي تتجلى في أولئك الذين ينصبون أنفسهم “مُلاكاً” للدولة، يقررون فصل دارفور عن جسد الوطن مع احتفاظهم بمسمى “السودان” لأنفسهم، وكأنهم أصل الدولة والآخرون مجرد فروع. ومن هنا يبرز التساؤل المستحق: من أعطى هؤلاء الحق في طرد من يشاءون؟ إن المنطق الوطني والحقوقي السليم يقول: إن من يضيق ذرعاً بتنوع السودان ويرفض استحقاقات العيش المشترك، هو من يجب عليه أن ينفصل ويبحث لنفسه عن مسمى جديد، ويترك “السودان” لمن آمن به وطناً واحداً، وبذل في سبيل وحدته الأرواح الغالية؛ فإنسان دارفور الذي يتمسك بسودانويته رغم الجراح هو الأحق بهذا الاسم ممن يريد تمزيق الخريطة للهروب من استحقاقات العدالة.

​استحقاق الفيدرالية الرجوع عنه

​كان “الوعد بالفيدرالية” هو الرابط الذي وحد القوى الوطنية، لكن النخبة المركزية نكثت هذا العهد، مما أدى لانفصال الجنوب في عام 2011. واليوم، يتكرر المشهد مأساوياً عبر دعوات “بتر الأطراف” القادمة من بعض ابناء الشمال أمثال عمسيب فهي دعوات تمثل قمة الهروب من المسؤولية الوطنية.

إن الفيدرالية ليست مجرد تجميل لعيوب المركزية، بل هي رؤية كاملة لإنهاء عقلية “الامتياز” التي تهدد ما تبقى من السودان.

​تحرير القرار الوطني من الارتهان الإقليمي

​في الوقت الذي نتحدث فيه عن بناء دولة جديدة، نرى الإرادة السودانية تُباع وتُشترى في أسواق المحاور الإقليمية.

إن التدخلات السافرة التي تتضح جلياً في أدوار دول مثل مصر وغيرها جعلت من دماء السودانيين وقوداً لمصالح الآخرين. إن السيادة الحقيقية تعني “سودنة القرار” ورفض أي ارتهان للخارج فالسودان الذي يستحق الوفاء لدماء شهدائه هو السودان الذي يُدار بعقول أبنائه، لا بوحيٍ من عواصم الجوار.

​المرأة والشباب.. قادة التأسيس الثاني

​إن بناء سودان ما بعد الحرب لن يتم عبر إعادة تدوير النخب التي أفسدت التأسيس الأول، بل عبر القوى الاجتماعية الحية. فالمرأة السودانية هي الضامن الأول لقاعدة المواطنة المتساوية، والشباب هم حماة السيادة الوطنية ذلك الجيل الذي يرفض “دولة الامتيازات” القديمة ويطمح لبناء دولة مؤسسات حديثة، مدنية، وقوية بكرامتها التي استمدتها من نضالات أجيالٍ لم تبخل بالأرواح.

​آخر قولي:

​إن معركتنا الحقيقية ليست مع “سنة 1956” كتاريخ نعتز بتضحياته، بل مع “الذهنية المركزية العوراء” التي حكمت باسمه وأفسدت غاياته. إن العودة للقواعد الأربعة لن تكون “كحلاً في عين أعور” إذا اقترنت بتأسيس ثانٍ يعالج خطايا الممارسة التي أدت لتفتت النسيج الوطني. مخرجنا في قرار سوداني مستقل، ونظام فيدرالي عدلي، وإجماع وطني لا يقصي أحداً ولا يملك فيه أحدٌ حق طرد الآخر. لقد آن الأوان لنسترد السودان من براثن الأجندات العابرة للحدود، ونبني “سودان العدالة والسيادة” وفاءً لكل قطرة دم سُكبت لتظل هذه البلاد شامخة ومستقلة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *