عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

 

يا شعب السودان

العقل الذي بنى حضارات على ضفاف النيل قادر أن يبني دولة لا تأكل أبناءها

لكن ذلك لن يحدث ما لم نخرج من أسر الرواية التي تصنع الحرب وتعيد إنتاجها كل جيل

الحرب ليست قدرا وليست هوية بل قرار سياسي يتم تغليفه بالكذب حتى يبدو مقدسا

ومن هنا تبدأ الخديعة

 

منذ عام 1955 لم تكن الحروب في السودان في جوهرها سوى صراع على السلطة والموارد والنفوذ

لكنها في كل مرة يعاد تقديمها للناس بلباس جديد مرة باسم الدين ومرة باسم الكرامة ومرة باسم حماية الهوية

وهذه ليست مصادفة بل منهج ثابت في إدارة الصراع

نفس العقلية التي قادت البلاد إلى أول طلقة هي التي تدير المشهد حتى 2023

تتغير الوجوه وتتبدل الشعارات لكن أدوات الخداع واحدة

 

القانون في أبسط تعريفاته يقوم على حماية الإنسان وحقوقه دون تمييز

لكن عندما تتحول الحرب إلى خطاب ديني أو قبلي يتم تعطيل هذا الأساس

ويتم استبدال المواطنة بفكرة الاصطفاف

إما معنا أو ضدنا

وبذلك يفقد المواطن صفته القانونية ويتحول إلى هدف مشروع

وهنا تقع الجريمة المزدوجة

جريمة الحرب وجريمة تبريرها

 

سياسيا الحاكم الذي يعجز عن بناء شرعية قائمة على التنمية والعدالة يلجأ إلى أخطر بديل وهو صناعة الخوف

يخوف الناس من بعضهم

يصنع عدوا داخليا

ثم يقدم نفسه حاميا

وبهذا يتحول الصراع من سؤال من يحكم وكيف يحكم إلى سؤال من ينتمي ومن يخون

وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح التحكم فيه أسهل من حكمه

 

تاريخيا نرى النمط يتكرر بوضوح

في الحرب الأولى تم تصوير الصراع كتمرد يجب قمعه

ثم في مراحل لاحقة تم إلباس الحرب لبوس الجهاد

فانقسم المجتمع بين مؤمن وكافر بدل أن يكون بين مواطن ومواطن

ثم في الحروب الحديثة عاد الخطاب في شكل قبلي وجهوي

أولاد غرب وأولاد بحر

وتم استخدام نفس الآلية القديمة تفكيك المجتمع حتى يسهل السيطرة عليه

وهكذا تتحول الحرب من صراع قابل للحل إلى صراع بلا نهاية

 

خداع الشعب لا يتم فقط بالشعارات بل عبر منظومة كاملة

الإعلام الذي يكرر الرواية الرسمية

الخطاب الديني الذي يمنحها شرعية زائفة

والاقتصاد الموازي الذي يستفيد من استمرار الحرب

فيتم خلق واقع يجعل الكذب يبدو حقيقة والحرب تبدو ضرورة

ومن يعارض يوصف بالخيانة أو ضعف الوطنية

 

لكن الحقيقة التي لا تتغير عبر الزمن أن الحروب التي تبنى على الكذب لا تنتج دولة

بل تنتج خرابا دائما

وأن نفس العقلية التي تبدأ الحرب لا يمكن أن تنهيها لأنها تعيش عليها

 

قبول الحرب يعني القبول بتفكيك المجتمع وتحويل الدولة إلى ساحة صراع مفتوح

أما زجر الحرب فهو موقف قانوني وأخلاقي يقوم على رفض تحويل الإنسان إلى وقود

ويرتكز على إعادة تعريف الصراع باعتباره أزمة حكم لا صراع هوية

ومن هنا يبدأ التفكير خارج دائرة الحرب

 

التفكير خارج الحرب يعني الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق العقد الاجتماعي

من فكرة من ينتصر إلى فكرة كيف نعيش معا

بناء دولة مدنية تقوم على سيادة القانون

تفصل بين الدين والسياسة حتى لا يتحول الدين إلى أداة قتل

تعترف بالتنوع كقيمة لا كتهديد

وتؤسس لمواطنة متساوية لا تميز فيها

 

السلام الدائم لا يصنعه المنتصرون في المعارك بل يصنعه العقل الذي يرفض إعادة إنتاجها

والسودان لن يخرج من هذه الدائرة إلا عندما يدرك شعبه أن أكبر معركة ليست في الميدان بل في الوعي

وأن من يزرع الكراهية لن يحصد إلا دولة منهارة حتى لو جلس على كرسي الحكم

 

السودان لا يحتاج إلى حرب جديدة بل إلى عقل جديد

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

١١/ابريل 2023

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *