بقلم: آدم الحاج في الموروث الشعبي لغرب السودان يُقال: “إذا دقوا الوجه، الساق بلكرمش”، في إشارة عميقة إلى أن الألم لا يتجزأ، وأن إهانة جزء من الجسد تعني بالضرورة اهتزاز الكل. غير أن الواقع الراهن يطرح سؤالًا موجعًا: لماذا لا يرتجف الجسد حين تُهان كرامة أبنائه؟ ولماذا تختار بعض القيادات الصمت حيث يجب أن يُسمع الصوت؟ لقد بات من الواضح أن الإهانات التي تُوجَّه لأبناء غرب السودان—سواء عبر توصيفات مثل “عرب الشتات” أو التشكيك في هويتهم الوطنية بنعوت “تشاديين” أو “ماليين”—ليست مجرد زلات خطابية، بل تعبير عن خلل عميق في بنية الوعي السياسي داخل بعض دوائر النفوذ. هذا الخطاب لا يستهدف أفرادًا بعينهم، بل يمس مكونات اجتماعية أصيلة، ويضرب في صميم فكرة المواطنة الجامعة. غير أن السؤال الأكثر حساسية يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لقيادات من ذات هذه المجتمعات أن تواصل الاصطفاف إلى جانب مؤسسات أو تشكيلات تصدر من داخلها، أو عبر رموزها، مثل هذه الإهانات؟ وأي موقع تختاره هذه القيادات بين كرامة قواعدها الاجتماعية ومتطلبات الاصطفاف السياسي؟ لو كان هذا الجيش جيشًا لكل السودانيين بحق، لما سُمِح أصلًا بخطاب يُقصي أو يُشكك أو يُعيد تعريف هوية مكونات وطنية كاملة خارج إطار الانتماء. فالمؤسسات الوطنية لا تُبنى على الإهانة، ولا تستقيم مع ازدواجية المعايير في تحديد من هو “الأصيل” ومن هو “الطارئ”. إن أبناء غرب السودان لم يكونوا يومًا على هامش التاريخ، بل كانوا في قلبه، ومن رواد معارك التحرر وبناء الدولة. وإذا كان هناك حديث عن “استقلال”، فإنه لا يستقيم إلا بمعناه الحقيقي القائم على الاعتراف والمساواة، لا أن يتحول إلى مجرد “استغلال” يعيد إنتاج الهيمنة تحت مسميات جديدة. والفارق بين الاثنين شاسع: بين وطن يتسع للجميع، وآخر يُعاد تشكيله وفق ميزان القوة لا ميزان العدالة. إن الأخطر من الإهانة هو الصمت الذي يقابلها. فالصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ حيادًا، بل يُفسَّر تواطؤًا أو عجزًا. والتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يخلّد إلا من وقفوا حيث يجب أن يُوقفوا، كما لا يمنح مكانًا يُذكر لمن اختاروا الصمت المذل، وتخلّوا عن واجبهم الأخلاقي والوطني، وتركوا كرامة أهلهم تُنتهك بلا موقف، وكأن الأمر لا يعنيهم، حتى غدت المهانة واقعًا يُدار بالصمت لا بالمواجهة. وأي كرامة تلك التي تبحث عنها بعض قوى الهامش وهي تنخرط في تحالفات سياسية وعسكرية يُعاد فيها إنتاج ذات بنية الإقصاء القديمة، حيث يُعاد تعريف الانتماء وفق معايير الولاء لا المواطنة، ووفق القرب من مراكز القوة لا استحقاق الكرامة؟ إن ما يجري لا يتعلق فقط بخلاف سياسي، بل بإعادة إنتاج خطاب يُنكر على بعض المكونات الاجتماعية مساواتها الكاملة، سواء عبر التشكيك في انتمائها أو عبر تصنيفها خارج دائرة “الوطنية الكاملة”، رغم أنها تُستدعى في ذات الوقت لتحمل أعباء القتال والتضحيات. وهل يمكن أن تُبنى قومية أو وطن حقيقي على خطاب مزدوج؛ يُطالب فيه البعض بالدم والتضحية، بينما يُنقص من قيمتهم واعترافه بكرامتهم في اللحظة نفسها؟ إن هذا التناقض ليس تفصيلًا، بل هو جوهر الأزمة. ولذلك فإن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: إن كانت الكرامة هي المبرر والشعار، فأي كرامة تُعرض على من يُطلب منهم الاصطفاف في معاركها بينما تُنتقص إنسانيتهم أو يُعاد تعريفهم خارج إطار المساواة؟ ثم سؤال أكثر مباشرة وإحراجًا: إلى الذين التحقوا مؤخرًا بما يُسمى “تحالف حرب الكرامة”، فليتوجهوا بالسؤال إلى من سبقوهم في هذا المسار: هل وجدتم تلك الكرامة التي وُعدتم بها؟ أم أن التجربة ذاتها أعادت إنتاج نفس دوائر الإقصاء القديمة بأدوات جديدة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد أي وطن نريد: وطن المواطنة المتساوية والكرامة الجامعة، أم وطن يعيد إنتاج الهامش داخل المركز، ويُبدّل الشعارات بينما تبقى البنية كما هي. السؤال الذي يبقى مفتوحًا: من يحمي كرامة أبناء غرب السودان؟ الإجابة لا ينبغي أن تُترك للظروف، بل يجب أن تكون موقفًا واضحًا وشجاعًا. فإما أن تنتصر القيادات لكرامة أهلها، أو تتركهم وحدهم في مواجهة خطاب ينتقص منهم… وحينها لن يكون الصمت مجرد موقف، بل سيكون جزءًا من المشكلة. إن استعادة المعنى الحقيقي لذلك المثل الشعبي تبدأ بالفعل لا بالقول: إذا أُهين الوجه، فلابد أن ترتجف الساق… لا أن تتجمد. شارك تصفّح المقالات دولة ٥٦و٨٩ صناع الفشل