عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ليس ما يجري في السودان قدرا غامضا بل نتيجة متراكمة لاختيارات سياسية وقانونية فاشلة عبر عقود طويلة توارثت فيها الأجيال الحرب بدل الدرس وتبدلت الأسماء وبقي المنطق واحدا سلطة تدار بالقوة وثروة توزع كغنيمة ومركز يحتكر القرار ويعيد إنتاج الأزمة كل مرة بصورة أشد قسوة منذ 1955 وحتى اليوم تتصل حلقات النزاع دون انقطاع حرب الجنوب الأولى ثم الثانية وما تبعها في جبال النوبة والنيل الأزرق ثم دارفور منذ 2003 وصولا إلى انفجار 15 أبريل 2023 هذا التسلسل لا يعكس صراعات منفصلة بل يكشف بنية أزمة واحدة عجزت الدولة عن معالجتها لأن جوهرها ظل محميا بإرادة سياسية ترى في السلاح أداة حكم وفي الانقسام وسيلة بقاء قانونيا تتحمل الحكومات المتعاقبة مسؤولية تقصيرية واضحة عن الإخفاق في حماية المواطنين وصون وحدة البلاد ذلك أن واجب الدولة الأساسي هو حفظ الأمن وضمان الحقوق ومنع الانتهاكات غير أن ما حدث هو العكس تماما تقاعس عن منع النزاعات أو احتوائها فشل في بناء مؤسسات عدلية مستقلة غياب للمساءلة واستمرار للإفلات من العقاب مما شجع على تكرار الجرائم وأسس لثقافة عامة مفادها أن الدم السوداني بلا ثمن سياسيا يكشف المسار العام أن المركز ظل أسير عقلية إقصائية لم تتعلم من التاريخ نفس الذهنية التي أدارت حرب الجنوب عادت لتدير دارفور ثم الخرطوم بذات الأدوات تقاسم سلطة ضيق توظيف للهويات إدارة للصراع بدل حله تجاهل للتنمية في الأطراف وإضعاف متعمد لفكرة المواطنة المتساوية هذا الفشل ليس عارضا بل بنيوي تغذيه أنظمة عسكرية تعاقبت على الحكم ولم تستطع وقف النزيف لأنها في جوهرها جزء من معادلة الصراع لا حلا له اقتصاديا ترسخ نموذج اقتصاد الحرب حيث تحولت الموارد من نفط وذهب وصمغ إلى مصادر تمويل للنزاع بدلا من أن تكون ركيزة للتنمية نشأت شبكات مصالح معقدة من تهريب وتسليح وتمويل غير مشروع أصبحت أكثر قوة من مؤسسات الدولة ذاتها وأصبحت الحرب بالنسبة لها استثمارا مربحا لا أزمة يجب إنهاؤها إنسانيا كانت الكلفة فادحة أجيال كاملة نشأت على النزوح والمخيمات والمدارس المؤقتة وفقدان الأمان تآكل النسيج الاجتماعي وتعمقت الكراهية وتراجعت الثقة بين مكونات المجتمع حتى صار الوطن فكرة مهددة لا واقعا معيشا إن المسؤولية هنا ليست مجرد خطأ سياسي بل امتناع متكرر عن أداء واجب دستوري وأخلاقي الامتناع عن إيقاف الحرب وعن بناء سلام حقيقي قائم على العدالة والتنمية والمحاسبة وهذا الامتناع يرقى إلى مستوى الإهمال الجسيم الذي أنتج هذه الكارثة المستمرة كسر هذه السلسلة لا يبدأ باتفاقيات شكلية بل بتحول جذري في مفهوم الدولة دولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية وتفكيك اقتصاد الحرب وإخضاع السلاح لسلطة مدنية شرعية وبناء عدالة انتقالية حقيقية تعيد الحقوق وتضع حدا للإفلات من العقاب وتعيد الاعتبار للضحايا إن استمرار الصمت لم يعد حيادا بل مشاركة غير مباشرة في إدامة المأساة والجيل الحالي أمام لحظة فاصلة إما أن يكرر ميراث الدم أو يكتب بداية مختلفة عنوانها أن الحرب ليست قدرا وأن الدولة يمكن أن تكون وطنا لا ساحة صراع وأن أول واجب للسلطة هو حماية الحياة لا إدارتها كخسارة قابلة للتكرار نواصل بمشيئة الله بتاريخ ١٢ /ابريل /2026 شارك تصفّح المقالات الدولة السودانية بين توصيفات الفشل وفرص التحول الواعد