عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان الحرب ليست فقط في الشوارع بل في داخل النفوس حين يرى الإنسان عدوه في الآخر ولا يرى نفسه السوداني حين يسأل عن عدوه يشير إلى قبيلة أو جهة أو لون لكنه نادرا ما يسأل نفسه ماذا قدمت انا في هذا الخراب الحقيقة التي يجب مواجهتها ان الجميع شارك بدرجات مختلفة بالسلاح او بالصمت او بالكلمة او بالشماتة وكذلك العنصرية لم تكن حكرا على فئة بل تسربت إلى العقول واللغة والسلوك فصارت جزءا من اللغة اليومية ومن طرق التفكير ومن معايير القبول والرفض لذلك لا يمكن أن تنتهي الحرب باتفاق سياسي فقط بل تبدأ نهايتها عندما يصالح الإنسان نفسه ويعيد النظر في ما يعتقده عن الآخر وعن ذاته لقد استغلت قوى سياسية وعلى رأسها الحركة الإسلامية خطاب الهوية والانقسام خلال حرب جنوب السودان تم تغذية مشاعر التفوق والاختلاف الحاد وتم تصوير الصراع كأنه صراع وجود لا يمكن التعايش فيه واستخدمت الدين والقبيلة والجهة كأدوات تعبئة لا كجسور وحدة حتى وصل السودان إلى لحظة الانفصال التي كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإقصاء وسوء الإدارة وهنا يبرز السؤال الذي يجب ألا نهرب منه ماذا استفدنا بعد انفصال الجنوب هل تحقق السلام الشامل هل توقفت الحروب الداخلية هل زالت الكراهية الواقع يؤكد أن الانفصال لم يحل الأزمة بل أعاد إنتاجها في صور جديدة لأن جذور المشكلة كانت في العقل الذي يدير الاختلاف لا في حدود الجغرافيا إن التجارب التي تقوم على نشر الخوف وتقسيم المجتمع إلى نحن وهم لا يمكن أن تنتج استقرارا فالمجتمع الذي يتم تفكيكه عمدا من أجل السيطرة عليه يفقد مناعته ويصبح أكثر عرضة للانهيار وعندما تستخدم العنصرية والقبلية والجهوية كوسائل للبقاء في الحكم فإن النتيجة تكون تآكل الثقة بين الناس وتفكك النسيج الاجتماعي وهذا ما يدفع ثمنه الجميع بلا استثناء العودة إلى الذات ليست شعارا بل مسؤولية أخلاقية وفكرية تعني أن نعترف بأن الخطأ لم يكن دائما في الآخر وأن نصارح أنفسنا بأننا في لحظات كثيرة قبلنا الظلم أو سكتنا عنه أو بررناه وتعني أن نتحرر من وهم النقاء وأن ندرك أن بناء المستقبل يبدأ من الاعتراف بالماضي كما تعني كسر دائرة الثأر التي أنهكت البلاد فالثأر لا يبني دولة ولا يحقق عدلا بل يطيل عمر الصراع ويورث الألم للأجيال القادمة والغفران هنا ليس ضعفا بل هو قرار واعي بعدم تحويل الألم إلى كراهية دائمة جيل اليوم لم يختر أن يولد في السودان ولم يختر قبيلته ولا لونه ولا جهته هذا التنوع لم يكن نتيجة اختيار بشري بل هو جزء من حكمة الخلق والتنوع في السودان ليس عبئا بل فرصة عظيمة تنوع في الثقافة واللغة والمناخ والموارد يمكن أن يكون أساسا لنهضة اقتصادية واجتماعية إذا تم توظيفه بشكل صحيح السودان بتنوعه الزراعي والرعوي والثقافي قادر على أن يكون بلدا متكاملا حيث يكمل الشرق الغرب ويكمل الشمال الجنوب وتتكامل المدن مع الأرياف لكن هذا التكامل لا يمكن أن يتحقق في ظل عقلية ترى الاختلاف تهديدا بدلا من أن تراه ثراء إن العنصرية تبدأ بفكرة صغيرة أو نكتة عابرة لكنها تنمو مع الزمن إذا لم تواجه وتتحول من كلمات إلى مواقف ثم إلى سياسات ثم إلى صراعات دامية ولذلك فإن مقاومتها تبدأ من الوعي اليومي من مراقبة اللغة ومن تصحيح المفاهيم ومن تربية الأبناء على احترام الإنسان كإنسان القبيلة يمكن أن تكون إطارا اجتماعيا إيجابيا إذا بقيت في حدودها الطبيعية لكنها تصبح خطرا عندما تتحول إلى معيار للحقوق والواجبات فالدولة الحديثة لا تبنى على العصبيات بل على المواطنة التي تساوي بين الجميع والمواطنة الحقيقية تعني أن كل سوداني له نفس القيمة ونفس الحقوق ونفس الواجبات بغض النظر عن أصله أو لونه أو لغته وتعني أن معيار التفاضل هو العمل والإسهام في بناء الوطن لا الانتماء الضيق ترك الحرب لا يكون بوقف إطلاق النار فقط بل بتغيير الثقافة التي تبررها حين يرفض المجتمع تمجيد السلاح ويعيد الاعتبار لقيمة الحياة والعمل وحين يجد الشباب فرصا حقيقية في التعليم والإنتاج بدلا من الانخراط في القتال عندها فقط يمكن أن يتراجع منطق الحرب كما أن السلام يحتاج إلى عدالة حقيقية عدالة تعترف بالضحايا وتنصفهم وتحاسب المسؤولين وفق القانون دون أن تتحول إلى وسيلة للانتقام أو لتصفية الحسابات فالعدالة هي التي تغلق أبواب الحرب وليس الثأر يمكن لكل فرد أن يكون جزءا من هذا التحول بمراجعة نفسه وبالاعتراف بأخطائه وباختيار لغة مختلفة في التعامل مع الآخرين وبالعمل على بناء علاقات قائمة على الاحترام لا على التصنيف كما يمكن للأسرة أن تلعب دورا محوريا في بناء جيل جديد جيل لا يحمل عقد الماضي ولا يرث كراهية لم يصنعها جيل يؤمن بأن السودان يتسع للجميع وأن قوته في وحدته لا في انقسامه الوطن في النهاية ليس مجرد حدود جغرافية بل هو منظومة قيم فإذا سادت قيم العدل والاحترام والتسامح أصبح الوطن آمنا وإذا سادت قيم الكراهية والإقصاء أصبح الوطن ساحة صراع مفتوح السودان اليوم أمام فرصة صعبة لكنها ممكنة فرصة لإعادة تعريف نفسه ليس على أساس من يسيطر بل على أساس من يخدم وليس على أساس من ينتمي بل على أساس من يساهم إن الخروج من هذه الدائرة لا يحتاج إلى معجزة بل إلى إرادة جماعية إرادة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع ثم إلى الدولة إرادة تعترف بأن المسؤولية مشتركة وأن الحل لا يأتي من الخارج بل من الداخل الكرامة الحقيقية ليست في إقصاء الآخر بل في القدرة على التعايش معه بسلام وعدل وليست في الانتصار في معركة بل في بناء وطن لا يحتاج إلى معارك وحين يصل السوداني إلى هذه القناعة ويبدأ في تطبيقها في حياته اليومية عندها فقط يمكن أن نرى ملامح وطن جديد وطن يقوم على المواطنة الحقيقية وقبول الآخر وطن يجد فيه كل إنسان مكانه دون خوف أو تمييز ذلك هو الطريق الوحيد للنجاة طريق يبدأ من النفس وينتهي بوطن يسع الجميع نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٣/مايو /2026 شارك تصفّح المقالات ليلة السكاكين الطويلة؟! ما بين الرفض والقبول: حظر تداول العملة القديمة