محمد الهادي..يكتب

منذ فترة وأنا أتابع كتابات الصديق مجدي عكاشة Magdi Akasha ، خصوصاً ما يتعلق برؤيته الداعية إلى إشراك الإسلاميين في أي تسوية سياسية أو ترتيبات تخص الانتقال في السودان. وبرغم اختلافي الجوهري مع هذه الرؤية، إلا أنني كنت أتعامل معها باعتبارها تقديرات سياسية يملك صاحبها كامل الحق في طرحها والدفاع عنها، خاصة في ظل حالة السيولة والانقسام التي يعيشها السودان، والتي جعلت كثيراً من الفاعلين السياسيين يعيدون النظر في تصوراتهم ومواقفهم تجاه مستقبل الدولة وطبيعة التسوية الممكنة.

ولأسباب عديدة، فضلت طوال الفترة الماضية عدم الدخول في سجال مباشر مع ما يكتبه الصديق مجدي عكاشة، لا عبر صفحته ولا عبر الكتابة في صفحتي الشخصية، ربما لأنني كنت أرى أن بعض الاطروحات، مهما اختلفنا معها، تظل قابلة للنقاش السياسي الهادئ دون حاجة لتحويلها إلى معارك إسفيرية مفتوحة. لكن بعد قراءتي لمقاله الأخير، شعرت أن الأمر تجاوز مجرد اختلاف في التقديرات السياسية، إلى محاولة لبناء استنتاجات خطيرة على مستوى فهم طبيعة الأزمة السودانية نفسها، وطبيعة الدولة، ومسألة العدالة والمحاسبة، وحدود المقارنة بين السودان وتجارب انتقالية أخرى مثل جنوب أفريقيا. لهذا أجد من الضروري التوقف عند عدد من الأفكار الواردة في المقال، ليس من باب الخصومة السياسية أو السجال الشخصي، وإنما لأن مثل هذه الأطروحات أصبحت تتكرر بصورة متزايدة في الخطاب العام، وتحتاج إلى نقاش جاد حول ما تنطوي عليه من تبسيطات ومغالطات، وما قد تقود إليه من إعادة إنتاج للأزمة تحت لافتة “الواقعية السياسية”.

ففي كل مرة تقترب فيها الأزمة السودانية من لحظة مراجعة حقيقية لجذور الحرب والدولة، يعود خطاب “الواقعية السياسية” ليطرح نفسه باعتباره البديل الوحيد عن “العاطفة الثورية”. هذا بالضبط ما يفعله مقال مجدي عكاشة حول تصنيف الإسلاميين كتنظيم إرهابي، إذ يحاول تقديم صوت عقلاني يحذر من مغبة “الاجتثاث”، مستدعياً تجربة جنوب أفريقيا ونيلسون مانديلا بوصفها النموذج الملهم لتجنب الانهيار. لكن خلف هذا البناء الخطابي الهادئ، توجد سلسلة من القفزات المنطقية والمقارنات المضللة والتناقضات التي تجعل المقال أقرب إلى مرافعة سياسية دفاعية منه إلى تحليل موضوعي لطبيعة الأزمة السودانية. والمشكلة الأساسية في المقال تبدأ منذ تعريفه للمشكلة نفسها. فهو يخلط بصورة مستمرة بين الإسلاميين كتنظيم سياسي، وبين الدولة العميقة، وبين مؤسسات الدولة، وبين شبكات المصالح داخل الجيش والأمن والخدمة المدنية. هذا الخلط يمثل جوهر الحجة كلها. فعندما يقول إن الإسلاميين موجودون داخل القضاء والجيش والاقتصاد والخدمة المدنية، ثم يستنتج أن أي محاولة لعزلهم أو محاسبتهم ستعني ضرب الدولة نفسها، فإنه يحوّل التنظيم السياسي إلى مرادف للدولة. وهنا تكمن الخطورة، لأن النتيجة المنطقية لهذا التصور هي أن الدولة السودانية لا يمكن إصلاحها إلا عبر القبول الدائم بالبنية التي عطلتها أصلاً.

الدولة العميقة، في العلوم السياسية، هي شبكة مصالح قادرة على تعطيل التحولات السياسية وإعادة إنتاج سلطتها من جديد،. والسؤال الحقيقي ليس: “هل الإسلاميون موجودون داخل الدولة؟” ولكن: “ما طبيعة هذا الوجود؟ وما حجمه؟ وهل يمكن إصلاح المؤسسات دون الإبقاء على الشبكات التي سيطرت عليها؟”. لكن مقال عكاشة يتعمد إلغاء هذه الفروق، ليصبح أي حديث عن المحاسبة أو الإصلاح الجذري وكأنه دعوة لهدم الدولة نفسها. ولإسناد هذه الفرضية، يستدعي الكاتب تجربة جنوب أفريقيا بوصفها المثال الأعلى للتسوية التاريخية. غير أن هذه المقارنة تبدو مضللة أكثر من كونها مفيدة. ففي جنوب أفريقيا، كان نظام الفصل العنصري يمثل الدولة رسمياً، وكانت هناك سلطة مركزية واضحة تملك قرار التفاوض. فريدريك دي كليرك لم يكن زعيماً لشبكة متشظية أو تياراً متنازعاً داخل مؤسسة عسكرية متعددة الرؤوس، بل كان رئيساً لنظام واضح المعالم وقادراً على الالتزام بتسوية سياسية شاملة. أما في السودان، فالصراع أكثر تعقيداً بكثير: حرب متعددة الأطراف، اقتصاد حرب، مليشيات، شبكات مصالح إقليمية، وتداخل بين العسكري والأمني والأيديولوجي. لا يوجد “دي كليرك سوداني” يملك قرار تفكيك هذه الشبكة أو حتى ضبطها. والأهم من ذلك أن عكاشة يستورد “أخلاق مانديلا” دون شروط التجربة التاريخية التي جعلتها ممكنة. فمانديلا لم يكن يدعو للتسامح المجاني أو التسوية المجردة، لكنه قاد عملية تفاوض انطلقت من ميزان قوى محدد، ومن مشروع سياسي واضح، ومن ترتيبات دستورية وقانونية تضمنت آليات للمحاسبة والاعتراف بالجرائم، مثل لجنة الحقيقة والمصالحة. بينما يقدم المقال التسوية وكأنها مجرد قبول بعودة الإسلاميين إلى المجال السياسي دون أي نقاش جدي حول المسؤولية التاريخية أو العدالة الانتقالية أو تفكيك شبكات التمكين. وهنا يقع المقال في واحدة من أكثر مغالطاته وضوحاً: صناعة ثنائية زائفة بين خيارين فقط، إما “الاجتثاث الكامل” الذي سيقود إلى انهيار الدولة، أو “التفاوض والإشراك” باعتباره الطريق الوحيد للاستقرار. هذه الثنائية تتجاهل عمداً أن معظم تجارب الانتقال السياسي الناجحة قامت على حلول وسط أكثر تعقيداً: إعادة هيكلة المؤسسات، عزل القيادات المتورطة، دمج الكفاءات غير المتورطة، إصلاح الأجهزة الأمنية، وبناء مسارات للعدالة الانتقالية. لكن (عكاشة) يلغي كل هذه الخيارات ليبدو موقفه باعتباره “الواقعية الوحيدة الممكنة”.

الأخطر أن المقال يتجاوز بصورة شبه كاملة سؤال المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الأزمة السودانية نفسها. فالحركة الإسلامية لا تناقش هنا بوصفها طرفاً لعب دوراً مركزياً في تخريب مؤسسات الدولة وعسكرة السياسة وإنتاج اقتصاد التمكين والمساهمة في الحرب الحالية، بل بوصفها مجرد مكون اجتماعي لا يجوز إقصاؤه. هذا التبسيط يفرغ النقاش من جوهره الحقيقي: هل يمكن بناء تحول ديمقراطي مع بقاء الشبكات التي صممت الدولة أصلاً لمنع الديمقراطية؟. والمفارقة أن عكاشة نفسه يصف الإسلاميين بوصفهم شبكة عميقة ومسلحة وممتدة داخل الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد، لكنه ينتهي إلى الدعوة لإشراكهم سياسياً دون أن يشرح كيف يمكن منع هذه الشبكة من إعادة إنتاج سيطرتها. فإذا كانت المشكلة، كما يقول، أن الإسلاميين متغلغلون في كل مفاصل الدولة، فإن القضية لم تعد قضية “إقصاء سياسي”، بل قضية اختطاف مؤسسات الدولة بواسطة تنظيم عقائدي. وهنا يصبح السؤال الذي يتجاهله مقال مجدي عكاشة: كيف يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي بينما تحتفظ نفس الشبكات بأدوات القوة والسلاح والاقتصاد؟

كما يعتمد المقال على تقليل خصومه سياسياً عبر تصويرهم كجمهور عاطفي أو “مشجعي كرة قدم” تحركهم الرغبة في الانتقام. هذه الطريقة لا تفكك حججهم بقدر ما تحاول نزع الشرعية النفسية عنها. وفي الوقت نفسه، يستخدم الكاتب خطاب الخوف نفسه: خطر التقسيم، انهيار السودان، هشاشة الدولة، والحرب الأهلية، لدفع القارئ نحو قبول التسوية. أي أنه يرفض “العاطفة الثورية” بينما يوظف عاطفة الخوف السياسي بصورة مكثفة

ثم إن المقال، رغم حديثه الطويل عن “الواقعية”، لا يقدم أي تصور عملي حقيقي. من هم الإسلاميون المقصودون بالتسوية؟ هل تشمل المحاسبة المتورطين في الجرائم؟ هل هناك تفكيك للتمكين؟ ما مصير الكتائب المسلحة؟ من يملك قرار التفاوض؟ وما الضمانات؟ لا توجد إجابات واضحة. هناك فقط دعوة عامة للتعايش مع الأمر الواقع، وكأن مجرد القبول بالشبكة القائمة سيقود تلقائياً إلى الاستقرار.

في النهاية، تكمن أزمة هذا النوع من الخطاب في أنه يخلط بين حماية الدولة وحماية الشبكات المسيطرة على الدولة. وهو خلط خطير، لأن أي انتقال سياسي حقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير أسباب الانهيار نفسها. السودان لا يواجه معضلة “كيف نتعايش مع الإسلاميين”، ولكن يواجه سؤالاً أعمق بكثير: كيف يمكن بناء دولة حديثة لا تختطفها أي شبكة عقائدية أو عسكرية مرة أخرى؟ هذا السؤال هو ما يتجاوزه عكاشة في مقاله الأخير، رغم كل حديثه عن الواقعية ومستقبل السودان.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *