عبدالملك زكريا علي..يكتب تفكيك الجذور البنيوية والسرديات الهوياتية وآليات الإقصاء المؤسسي وظاهرة “إلغاء الآخر” في السودان من أعقد المعضلات السياسية والاجتماعية التي واجهت بناء الدولة الوطنية منذ فجر الاستقلال حيث لم تكن ممارسات الإقصاء مجرد أحداث عارضة أو ظرفية مرتبطة بنظام حكم معين بل تحولت إلى محدد بنيوي أصيل في إدارة الخلاف السياسي والاجتماعي .. إن التساؤل “لماذا إلغاء الآخر” يفتح الباب أمام تشريح عميق لبنية الدولة السودانية الهشة التي تشكلت عبر تراكمات تاريخية وثقافية وقانونية أدت في نهاية المطاف إلى تحويل التباين والتنوع العرقي والثقافي من مصدر ثراء إلى محرك للصراع الدامي .. والهدف من هذا التحليل هو تقديم قراءة إجتماعية وسياسية معمقة لجذور هذه الظاهرة متتبعاً مسارات تشكل الهوية ان وجدت ودور النخب وميكانيزمات التعليم والإعلام والتشريعات التي قننت نفي الآخر وصولاً إلى الانفجارات الكبرى في حروب الهامش والحرب الراهنة . – الجذور التاريخية لجدلية المركز والهامش وتكريس التفاوت البنيوي لا يمكن فهم دوافع إلغاء الآخر في السودان دون الغوص في “جدلية المركز والهامش” وهي الأطروحة التي ترى أن تاريخ السودان الحديث قد صُمم ليخدم مركزاً جغرافياً وثقافياً واقتصادياً محدداً على حساب أطراف السودان الواسعة والمهمشة .. هذه الجدلية ليست مجرد توصيف مكاني بل هي منهج تحليل ثقافي يكشف كيف أنتج تدوين التاريخ الرسمي معرفة مشوهة تعلي من شأن المكون العربي وتطمر المكونات الإفريقية والعربي الآخر البعيد … بدأت هذه الفجوة منذ العهد التركي المصري (1821-1885م) حيث أُسست الدولة على مبدأ “الاستخراج” استخراج الموارد والرجال من الأقاليم لخدمة السلطة المركزية ثم جاء الاستعمار البريطاني المصري ليعمق هذا الاختلال عبر سياسات تنموية ركزت على المثلث (شمال ووسط السودان النيلي) مما خلق نخبة متعلمة في المركز استلمت مقاليد الأمور بعد الاستقلال وتبنت ذات العقلية الإقصائية تجاه الأطراف والشواهد التاريخية علي ذلك بائنة .. الدولة السنارية والتركية سلطة قائمة على الجباية والرق القوة العسكرية المباشرة ومسارات القوافل بمحاذا المركز النيلي .. الاستعمار البريطاني وإدارة التباين عبر العزل بقانون المناطق المقفولة وتقسيم الشمال والجنوب إدارياً .. الحكومات الوطنية الأولي والمتعاقبة قامت علي سيطرة النخبة المتعلمة (الأفندية) وتسييس الخدمة المدنية واللغة والتمركز بالخرطوم ومدن المركز النيلي .. عهد “الإنقاذ”(1989-2019م) وسياسة التمكين الشامل والأدلجة والعنف المنظم ومحاولة الهيمنة الكلية على كافة الأقاليم بمركزة القرار وقبضة التنفيذ . إن هذا التوزيع غير العادل للسلطة والثروة كان سياسة مقصودة لضمان استمرار هيمنة المركز وعندما ظهرت حركات مطلبية في الهامش مثل تمرد “توريت” أولاً ولاحقاً الحركة الشعبية لتحرير السودان وجبهة دارفور واتحاد جبال النوبة وجبهة الشرق قوبلت هذه المطالب بالرفض والتخوين والنعت بالتمرد مما دفع الهامش لتبني السلاح كأداة وحيدة لإثبات الوجود وهذا الصراع الصفري هو الذي أدى إلى انفصال جنوب السودان في عام 2011م حيث فضل الجنوبيون تكوين دولتهم الخاصة على البقاء في مواطنة منقوصة تُمارس ضدهم سياسات “الإلغاء” الثقافي والعرقي والديني . صراع الرؤى وأزمة الهوية (العروبة والأفريقانية) كوقود للإقصاء يُعد مفهوم “صراع الرؤى” (War of Visions) الذي طوره المفكر فرانسيس دينق حجر الزاوية في فهم الدوافع النفسية والثقافية لإلغاء الآخر في السودان . حيث ان النزاعات السودانية ليست مجرد خلاف على الموارد بل هي تجليات لأزمات حادة في الهوية الوطنية فالسودان يضم أكثر من 59 إثنية تنقسم إلى اكثر من 500 قبيلة ومع ذلك حاولت النخب الحاكمة فرض رؤية أحادية للهوية ترتكز على “العروبة والإسلام” كمعيار وحيد للمواطنة الكاملة .. هذا التوجه خلق حالة من التنافر الهوياتي حيث وجد السودانيون أنفسهم أمام خيارين مرين إما الاندماج القسري عبر التخلي عن لغاتهم وثقافاتهم المحلية أو البقاء في دائرة التهميش والإقصاء .. إن الهوية في هذا السياق لم تكن شعوراً بالانتماء بل كانت “مفتاحاً” للوصول إلى الوظائف والتعليم والقرار السياسي … تَحدُث بعض النخب عن “الهروب من الهوية” كنوع من دفن الرؤوس في الرمال .. حيث يميل قطاع من السودانيين في الأواسط إلى إنكار “عنصريتهم” تجاه الآخرين في الشرق والغرب والجنوب والجنوب الجديد هذا الإنكار يغذي الإقصاء الرمزي حيث يُنظر للثقافات الإفريقية والبجاوية المحلية كفلكلور هامشي بينما تُقدس الثقافة العربية كحضارة رسمية للدولة . ويقول د. عبدالله علي ابراهيم إن “الآفروعروبيين” أساءوا إلى أفريقانيتهم من حيث أرادوا تعزيزها، بصناعة “أفريقي وهمي” يتسم بالبساطة والولع بالرقص مما مهد الطريق لنوع من الاستعلاء الثقافي الذي يبرر الإقصاء السياسي .. إن الإقرار بوجود “قوامين” أو أكثر للثقافة السودانية هو المخرج الوحيد من هذه الأزمة لكن العقلية الإقصائية ظلت ترفض التعددية الحقيقية وتصر على “بوتقة الصهر” التي لا تنتج إلا مزيداً من التفتت . #- المنظومة التعليمية: صناعة “المواطن النمطي” ونفي التعدد الثقافي ..حيث لعبت هذه المنظومة دوراً خطيراً في هندسة عمليات إلغاء الآخر من خلال صياغة مناهج تعليمية تعبر عن أيديولوجيا النظام الحاكم بدلاً من التعبير عن واقع المجتمع السوداني .. حيث مع كل تغيير في نظام الحكم كان السلم التعليمي والمناهج الدراسية يخضعان لمراجعات جذرية تهدف إلى “تأميم” عقول الناشئة وتوجيهها نحو رؤية سياسية محددة ساهمت في عدم قبول الآخر . 1. تزييف التاريخ القديم تقدم الكتب المدرسية التاريخ السوداني وكأنه يبدأ مع وصول العرب والمسلمين مع تجاهل متعمد للممالك الإفريقية النوبية والمسيحية (مثل مملكة مروي وعلوة والمقرة) التي ازدهرت لآلاف السنين . 2. إقصاء اللغات المحلية وتغيب لغات النوبة والفور والبجا والزغاوة والتماماً عن المحتوى التعليمي مما يشعر الطلاب من هذه المكونات بأن لغاتهم وأصولهم ليست جزءاً من “الوطن” الرسمي . 3. الأدلجة الحزبية : تحولت المناهج إلى أداة لتمكين الأيديولوجيا الحزبية مما أنتج نخبًا فكرية غير متجانسة تقدم الولاء للحزب أو الطائفة على الولاء للدولة . أدى هذا الفشل في إدارة التنوع عبر التعليم إلي تعميق الانقسامات المجتمعية فالطالب الذي لا يرى نفسه أو تاريخ أجداده في الكتب المدرسية ينمو لديه شعور بالاغتراب والرفض للآخر الذي يمثله “المركز” المسيطر على المعرفة . #- الأدوات القانونية والتشريعية للإقصاء: الجنسية كأداة عزل لم يكتفِ العقل الإقصائي بالثقافة والتعليم بل استل سلاح القانون قوانين الجنسية السودانية (المواطنة كأداة ضغط) تعد الجنسية في السودان حقاً طبيعياً لكنها استُخدمت تاريخياً كأداة للعزل السياسي والعرقي قوانين الجنسية لعام 1957 والاعوام المتعاقبة وضعت معايير صارمة لإثبات “السودانية بالميلاد” ترتبط بجذور الآباء في السودان مما خلق فئات من المواطنين الذين يواجهون صعوبة في إثبات حقوقهم والاصرار علي حضور شاهدين لبعض القبائل حيث الأثر الإقصائي الأكبر ظهر بعد انفصال الجنوب في عام 2011م عُدلت القوانين لتسقط الجنسية تلقائياً عن أي شخص يُعتبر “جنوبياً” بالمعايير العرقية هذا الإجراء أدى إلى “حرمان الكثيرين” من حقوقهم في التعليم ، الصحة ، والعمل ، بل والوصول إلى الوثائق الثبوتية ، مما حولهم إلى “بدون” في وطنهم القديم . #- الإعلام الرسمي والبديل: من التهميش الثقافي إلى خطاب الكراهية لعب الإعلام السوداني خاصة في المركز دوراً في تغييب الآخر لسنوات طويلة فالإذاعة السودانية في أمدرمان لعهد طويل لم تكن تعبر عن التنوع اللغوي والثقافي للأقاليم مما جعل سكان الهامش لا يجدون أنفسهم في راديو الدولة .. هذا الغياب الإعلامي عزز الشعور بأن الدولة هي ملك لمجموعة عرقية وثقافية محددة .. في السنوات الأخيرة ومع صعود شبكات التواصل الاجتماعي انتقل إلغاء الآخر إلى مستوى أخطر عبر الخطاب الشعبوي وخطاب الكراهية .. استغلت جهات سياسية وقبلية هذه المنصات لنشر رسائل تحريضية تربط بين التدهور الاقتصادي ووجود مجموعات إثنية معينة .. هذا الخطاب الشعبوي في الفضاء الرقمي السوداني المنتشر حاليا إعتمد على عدة مرتكزات تهدف لإلغاء الآخر بالتصنيف الإقصائي وتقسيم المجتمع إلى “نحن” (الأصيلين) و”هم” (الغرباء أو الوافدين والشتات) واستخدام لغة ومفردات العنف مما مهد الطريق للعنف المادي . وإعلاء شأن القبيلة والجهوية مما أدى لضعف اللحمة الوطنية والدولة . #- الجانب الاقتصادي للإقصاء : نهب الموارد وتجويع الأطراف لا يمكن إغفال المحرك الاقتصادي في عملية إلغاء الآخر فالسودان بلد غني بالموارد (ذهب ، نفط ، أراضي زراعية) ، لكن هذه الموارد ظلت تدار بعقلية ريعية تخدم المركز تم استغلال مناطق مثل دارفور وكردفان وجبال النوبة وشرق السودان كمصادر للمواد الخام مع اهمال متعمد للخدمات وتمركزها في الوسط لإمتصاص مدخرات مواطن الاطراف لتحريك اقتصاد الوسط هذا فضلاً عن عائد صادر السلع النقدية بالاضافة الي المحاربة العلنية للإشراقات الاقتصادية من ابناء الهامش .. محمد عبدالله جارالنبي والمرحوم ادم يعقوب علي سبيل المثال .. إن الفشل في وضع صيغ عادلة ومستدامة لاقتسام الثروة أدى إلى شعور المواطن في الأطراف بأن الدولة ليست إلا “جباية” تأخذ ولا تعطي مما جعل الانضمام للحركات المسلحة خياراً اقتصادياً بقدر ما هو خيار سياسي حيث اصبح الإقصاء أصبح “نسقاً متكرراً” في إدارة الدولة السودانية فالقوى السياسية عندما تكون في المعارضة تنادي بالديمقراطية والتعددية ولكن بمجرد وصولها للسلطة تلجأ لـ “تصنيف” الخصوم تمهيداً لإقصائهم هذا المنطق حوّل الصراع السياسي إلى صراع صفري قائم على “الغلبة” لا على التوافق وهناك تمييز ضروري بين نوعين من الإقصاء في التجربة السودانية : 1. الإقصاء التعسفي: وهو نفي الآخر لمجرد الاختلاف في الرأي ، العرق ، أو الدين ، وهو ما مارسته الأنظمة الشمولية والحكومات الحزبية الضعيفة . 2. الإقصاء الوقائي المشروع: وهو الإجراء الذي يهدف لحماية الدولة المدنية من قوى العنف المنظم (مثل تصنيف حزب المؤتمر الوطني المنحل وواجهاته) لضمان عدم عودتهم لتفكيك مؤسسات الدولة مرة أخرى . إلا أن المشكلة تكمن في تداخل هذين النوعين حيث يُستخدم الإقصاء الوقائي كغطاء لتصفيات سياسية مما يضعف الثقة في عملية “التحول الديمقراطي” ويجعل كل طرف يتربص بالآخر .ج #- التداعيات الكارثية لإلغاء الآخر: من الانفصال إلي حرب الوجود إن الثمن الذي دفعه السودانيون نتيجة لسياسات إلغاء الآخر كان باهظاً للغاية لقد أدت هذه السياسات إلي تمزيق وحدة البلاد كأكبر تجلٍ لفشل مشروع “الدولة الوطنية الجامعة” والحروب الأهلية المزمنة في دارفور وكردفان جبال النوبة والنيل الأزرق واحتجاجات الشرق والجنوب سابقاً حيث سقط مئات الآلاف من القتلى ان لم يكن المليون وزيادة وملايين النازحين والحرب الشاملة (أبريل 2023م) وهي الانفجار الكبير الذي يهدد بتفكيك ما تبقى من السودان حيث تحولت الحرب بين الجيش والدعم السريع إلى صراع وجودي واستعلائي استُخدمت فيه الهويات الفرعية كدروع اجتماعية .. الحرب الراهنة هي “الابن الشرعي” لسياسات التهميش وتسييس القبيلة فعندما عجزت الدولة عن بناء هوية وطنية لجأ الأفراد للبحث عن الأمان في القبيلة مما جعل المجتمع السوداني “قابلاً للاشتعال” عند أول واي احتكاك سياسي . #- نحو مشروع وطني جديد: كيف نوقف “إلغاء الآخر”؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تكتمل بوضع تصورات للخروج من هذه المأزق التاريخي الذي يتطلب “جراحة عميقة” في بنية الدولة والتي تقوم علي 1. بناء جيش وطني مهني وما يتبع ذلك من اجراءات معلومة ولا يتدخل في السياسة . 2. الإدارة البناءة للتباين والتنوع والانتقال من “إنكار التعدد” إلى “الاحتفاء به” عبر دستور دائم يضمن المواطنة المتساوية بعيداً عن التمييز الديني أو العرقي 3. إصلاح المنظومة التعليمية والإعلامية وصياغة مناهج تعليمية تعترف بكافة الحقب التاريخية (النوبية ، المسيحية ، الإسلامية) وتحترم اللغات والثقافات المحلية . 4. العدالة الاجتماعية والترميمية وإعطاء الأولوية للإصلاح والمساءلة عن جرائم الماضي مع فتح قنوات حوار حقيقي يحق الحق العام والخاص بين الجناة والضحايا لإزالة الغبن . 5. التنمية المتوازنة واللامركزية الحقيقية وتمكين الأقاليم من إدارة مواردها ذاتياً وضمان نصيب عادل في السلطة والثروة بما يقلل من جاذبية المركز . إن مستقبل السودان مرهون بمدى قدرة أبنائه على التخلي عن “عقلية الإلغاء” وتبني “عقلية البناء المشترك” . #-خلاصة القول: إن ظاهرة “إلغاء الآخر” في السودان ليست مجرد سلوك عدواني بل هي “استراتيجية بقاء” لنخب شعرت تاريخياً أن اعترافها بالآخر يعني فقدانها لامتيازاتها التاريخية ولقد أدى الخوف من “الآخر” إلى محاولة سحقه ولكن النتيجة كانت دائماً هي إضعاف الدولة وتحويلها إلى كيان هش غير قادر على حماية نفسه . وأن أي مشروع وطني لا يستصحب “الشمول والمساواة وعزة الجميع” لكافة المواطنين هو مشروع محكوم عليه بالفشل والدمار وإن الطريق إلى السلام لا يمر عبر “هزيمة الآخر” عسكرياً أو إلغائه قانونياً بل عبر “اكتشاف الآخر” كجزء لا يتجزأ من الذات الوطنية وإن السودان الذي يتسع للجميع هو الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الكامل وما الحرب الراهنة إلا صرخة أخيرة لتنبيه السودانيين بأن “إلغاء الآخر” هو في حقيقته “انتحار جماعي” للوطن . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودو للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . مايو ٢٠٢٦م شارك تصفّح المقالات من وراء خطاب احتفال هيئة الأركان الواقعية أم إعادة إنتاج التمكين؟ رداً على مقال الصديق مجدي عكاشة