بقلم: نفيسة حجر إضاءة: يقول المثل السوداني: “وصلنا مرحلة فرز البيض من الحميض”. وثمرة الحميض، التي تشبه البيضة في مظهرها وحجمها، تظل ثمرة خادعة تفتقر إلى القيمة والجوهر. سياسياً، دخل السودان مرحلة “الفرز الكبرى” حيث الهدف هو استئصال “الحميض” الإقصائي الذي بات تصنيفه كـ”إرهاب” يهدد شرعية الدولة، لصالح واقع جديد يُطبخ في عواصم القرار تحت مسمى “التدوير الذكي”. مثلث (بورتسودان – القاهرة – أبوظبي): ضغوط “المقايضة الكبرى” تكتمل لوحة الفرز عند ربط الميدان بالتحركات الدبلوماسية السيادية. فزيارة البرهان إلى الإمارات، والتي أعقبتها فوراً زيارة الرئيس السيسي (الداعم القوي لمسار التوافق مع أبوظبي)، تؤكد أن البرهان يقع تحت ضغوط هائلة. فمن المعلوم أن الإمارات هي الداعم الرئيسي للدعم السريع، ومباركة القاهرة لهذه التحركات تعني أن هناك “مقايضة” قد نضجت: وهي منح الشرعية الدولية للجيش مقابل استبعاد الحركة الإسلامية وجناحها العسكري نهائياً من المشهد القادم مع هندسة وجود الدعم السريع . سخط الإسلاميين: صراخ “الكَرْت المحروق” حالة الغضب الهستيري التي تنتاب منصات التيار الإسلامي وأبواقهم الإعلامية ضد البرهان هي الانعكاس المباشر لشعورهم بأن الضغط الإقليمي قد أتى أكله. يشعر هؤلاء بـ”غدر سياسي” بعد أن أيقنوا أنهم وُضعوا في خانة “الكَرْت المحروق” لتنظيف واجهة الدولة أمام المحور الدولي. هذا السباب والتحريض يكشف أن “الاستبعاد” لم يعد مجرد تكتيك، بل استحقاق دولي حيث بدأ البرهان في تسديد فواتيره لتأمين بقائه. الانشقاقات الثلاثة: هل هو انحياز للدولة أم “تكتيك الاختراق”؟ يأتي انشقاق علي رزق الله (الشهير بـ”السافنا”) ليضيف الضلع الثالث لسلسلة انشقاقات كيكل والنور قبة. ومع أن السافنا لم يحدد وجهته الرسمية بعد، إلا أن توقيت هذه الانشقاقات المتتالية، المقروء مع زيارات البرهان والسيسي للإمارات، يثير ريبة المراقبين. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن كلا الاحتمالين قد يحدثان في وقت واحد: فقد تكون انشقاقات حقيقية لقادة يرون في الجيش الملاذ الآمن، وفي الوقت نفسه قد تكون عمليات تسلل لخلايا نائمة تتبع قوات الدعم السريع وداعميها، بهدف إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة في لحظة خضوعها للضغوط. وهذا المزيج بالذات هو ما يجعل “التدوير الذكي” لعبة غامضة، حيث يصبح من المستحيل فرز النوايا قبل فرز البيض من الحميض. لكن الثابت حتى الآن هو أن هذه التحركات كلها تصب في اتجاه واحد: تجفيف منابع نفوذ الإسلاميين وحلفائهم الذين أصبحوا يمثلون “الحميض” الواجب استبعاده. تحدي “اللغم الداخلي”: البرهان وياسر العطا التحدي الأكبر أمام البرهان في إتمام هذه الصفقة هو التناقض داخل قيادة الجيش فبينما يحاول البرهان تسويق نفسه كقائد خالٍ من الانحيازات الفكرية أمام المجتمع الدولي ، يستمر الفريق ياسر العطا في احتضانه العلني لكتائب “البراء بن مالك” (البراؤون). هذا التضارب يجعل من عملية “فرز البيض من الحميض” مغامرة محفوفة بمخاطر الانفجار الداخلي، إذا ما قرر الجناح المؤدلج الانقلاب على صفقات “الهبوط الناعم” التي تُهندس في الغرف المغلقة. آخر قولي: نحن أمام إعادة هندسة شاملة للواقع السوداني تحت مطرقة الضغط الدولي. إن التخلص من “الحمولات الخادعة” واستبدالها بوجوه منشقة قد يكون مجرد “جسر” للعودة إلى المربع الأول بشركاء قدامى عبر استراتيجية “التدوير الذكي”. لقد وصل السودان إلى “فرز البيض من الحميض”؛ وهي عملية جراحية مريرة تهدف إلى استئصال الإقصاء الفكري لضمان بقاء الدولة في حظيرة القبول الدولي، وسط لعبة تبادل أدوار، قد لا تشبه نتائجها الشعارات التي رُفعت في بداية الطريق. شارك تصفّح المقالات السودان بين قدسية الدين وتجارة الحرب صناعة السلام: الإرادة المفقودة