عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الانسان..يكتب

الحرب ليست قدرا ولا شرفا ولا كرامة

الحرب انهيار للانسان قبل الدولة

هي لحظة يسقط فيها القانون وتتمزق فيها القيم وتتحول حياة الناس الى ارقام في سجلات الموت والنزوح

هي نار دخلت كل بيت سوداني بلا استثناء

بيت فقد عزيزا وبيت ينتظر خبرا وبيت صار خيمة وبيت ضاع بين الحدود

والمشهد واضح لا يحتاج الى تفسير

شعب ينزف وقلة معروفة تحصد المكاسب

كل حرب تستمر رغم وضوح خسائرها هي جريمة مستمرة

والسكوت عنها مشاركة غير مباشرة في اهدار الحق في الحياة

ومن هذا المنطلق يصبح تفكيك خطاب الحرب واجبا قانونيا وانسانيا

واجب يحمي ما تبقى من انسان هذا الوطن

منذ استيلاء الحركة الاسلامية على السلطة في السودان عام 1989 تم تأسيس نمط حكم قائم على توظيف الدين في الصراع السياسي

تم تحويل الدين من قيمة جامعة الى اداة اقصاء

ومن رسالة اخلاقية الى وسيلة للهيمنة وشرعنة العنف

وهذا السلوك لا يمثل الدين الاسلامي بل يضع نفسه في مواجهة جوهره القائم على حفظ النفس والعدل وكرامة الانسان

اتبعت الحركة الاسلامية نهجا يقوم على شيطنة الخصم وتجريده من صفته الانسانية والوطنية

يتم وصف المعارض بانه عدو او خائن او خارج عن الجماعة

وبذلك يتم تهيئة الوعي العام لتقبل العنف ضده

وعندما يصبح الانسان عدوا في الخطاب يصبح استهدافه امرا عاديا في الواقع

كما تم تقديم التنظيم باعتباره ممثلا للدين وتم تصوير كل اختلاف على انه تهديد له

وهذا النهج يصادر حق الناس في التفكير والاختلاف ويقوض اساس التعايش

المجتمع لا يبنى على صوت واحد بل على تعدد الاصوات واحترامها

وفي سياق اخر تم تغذية الانقسامات القبلية والجهوية حتى تحول المجتمع الى ساحات نزاع داخلي

بدلا من ان يكون التنوع مصدر قوة صار اداة صراع

وهذا ما اضعف النسيج الوطني وفتح الباب امام حروب لا تنتهي

الوقائع تؤكد ان استمرار الحرب يخدم مصالح محددة

الحرب تؤجل المساءلة عن الانتهاكات

الحرب تخلق اقتصادا قائما على الفوضى والموارد والسلاح

الحرب تمنع الناس من التوحد حول مشروع وطني جامع

وفي المقابل يدفع المواطن البسيط الثمن دما وتشريدا وجوعا

القانون الدولي واضح في حماية الانسان

اتفاقيات جنيف لعام 1949 تؤكد حماية المدنيين وتحريم الاعتداء عليهم

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يقر ان الحق في الحياة حق اصيل لا يجوز المساس به

والقانون الجنائي الدولي يعتبر القتل والاضطهاد الممنهج جرائم لا تسقط بالتقادم

وعند قياس هذه المبادئ على واقع السودان يتضح التناقض الكبير بين ما يجب ان يكون وما حدث فعلا

وهنا تصبح المسؤولية اخلاقية وقانونية في مواجهة هذا الانحراف

الشعب السوداني شعب متجذر في قيم الدين والتسامح

دينه في سلوكه اليومي وفي احترامه للاخر وفي تعايشه عبر التاريخ

ولم يكن في حاجة الى وصاية اي تنظيم ليفهم دينه او يمارسه

بل ان تسييس الدين ادى الى تشويه صورته وادخاله في صراعات لا تمت له بصلة

المواطنة هي الاساس الذي يجب ان يجتمع عليه الجميع

لا فرق بين سوداني واخر الا بقدر ما يقدمه لوطنه

الاختلاف في الراي لا يلغي الحق في الحياة

والتنوع ليس تهديدا بل ثراء يجب حمايته

ان الحرب اليوم لم تعد بعيدة عن احد

هي في كل شارع وكل قرية وكل اسرة

الميت معروف والمشرد معروف والمكلوم معروف

وكذلك المستفيدون معروفون

وهنا يجب ان يكون الموقف واضحا لا لبس فيه

السلام ليس ضعفا بل شجاعة

والدعوة اليه ليست خيانة بل انحياز للحياة

لا للحرب لا لخطاب الكراهية لا لشيطنة الاخر

نعم لوطن يسع الجميع ونعم لانسان يرى اخاه الانسان قبل اي انتماء اخر

ان انهاء هذه الحرب واجب عاجل

واجب على كل من يملك كلمة او موقفا

واجب لاعادة بناء الدولة على اساس العدالة والقانون

واجب لحماية ما تبقى من هذا الشعب

الدين بريء من كل دم يسفك ومن كل حق يهدر

والسودان يستحق مستقبلا يليق بتاريخه وانسانه

مستقبلا يقوم على السلام والحرية والعدالة

حيث تكون كرامة الانسان في حياته لا في موته

نواصل

بمشيئة الله

 

بتاريخ

12 مايو 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *