انقلبت البندقيةعبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب منذ لحظة الاستقلال ظل السودان يعيش مفارقة قاسية ومؤلمة مفارقة ان تتحول المؤسسة التي وجدت لحماية الوطن والدستور الى طرف في صراع ضد ذات الشعب الذي يفترض ان تحميه هذه الحقيقة لم تعد مجرد تحليل سياسي بل اصبحت واقعا تاريخيا موثقا عبر عقود امتدت لاكثر من سبعين عاما دفع خلالها الشعب السوداني فاتورة اخطاء المؤسسة العسكرية من دمه واستقراره وكرامته ان الاصل في وظيفة الجيوش وفق المبادئ الدستورية المستقرة في النظم الديمقراطية هو حماية السيادة الوطنية وصون وحدة البلاد والدفاع عن المدنيين غير ان التجربة السودانية انحرفت عن هذا الاصل بصورة منهجية حيث تم توجيه القوة المسلحة نحو الداخل بدلا من حمايته فتحولت البندقية من اداة دفاع الى اداة قمع ومن رمز للسيادة الى وسيلة لبسط الهيمنة بالقوة من جنوب السودان سابقا الى دارفور الى جبال النوبة والنيل الازرق تتكرر ذات الحلقة استخدام القوة العسكرية لمعالجة قضايا سياسية واجتماعية وهو ما يشكل خرقا واضحا لمبادئ القانون الدولي الانساني الذي يحظر استهداف المدنيين ويقيد استخدام القوة في النزاعات المسلحة كما يمثل انتهاكا صريحا لفكرة الدولة نفسها التي تقوم على حماية مواطنيها لا تحويلهم الى اهداف لم تكن هذه الحروب دفاعا عن حدود او ردا على عدوان خارجي بل كانت في جوهرها صراعات داخلية تم فيها صناعة العدو سياسيا ثم تصفيته عسكريا وهو ما يكشف خللا بنيويا في علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة وبالمجتمع ويؤكد ان ازمة السودان ليست في تنوعه بل في طريقة ادارة هذا التنوع بالقوة بدل السياسة وفي حرب 15 ابريل 2023 بلغ هذا الانحراف ذروته حيث انكشف العنف في صورته الاوضح وتداخلت المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية على حساب ارواح المدنيين وامنهم فانهارت المدن وتشرد الملايين وتحول المواطن الى ضحية مباشرة لصراع لا يمثل تطلعاته ولا يعبر عن مصالحه ان ما يزيد من خطورة هذه المرحلة هو ان وسائل المعرفة الحديثة اسقطت احتكار الرواية فلم يعد ممكنا اخفاء الحقيقة او تزييفها لقد اصبح الشعب شاهدا على ما يجري مدركا لاسباب الحرب واطرافها ومصالحها وهو وعي يفرض تحولا حقيقيا في مسار الخطاب السياسي ويضع الجميع امام مسؤولياتهم التاريخية من منظور قانوني فان استمرار الحرب رغم وضوح اثارها الكارثية يشكل تقصيرا جسيما في واجب حماية المدنيين ويستدعي المساءلة وفق قواعد المسؤولية الوطنية والدولية كما ان استخدام القوة خارج اطار الدستور والقانون يقوض شرعية اي سلطة ويحولها الى سلطة امر واقع لا تستند الى تفويض شعبي او سند قانوني لقد دفع الشعب السوداني خلال سبعين عاما ثمن الانقلابات وثمن عسكرة السياسة وثمن تغييب المؤسسات وثمن تحويل الدولة الى ساحة صراع بين مراكز القوة وكل ذلك لم ينتج امنا ولا استقرارا بل اورث البلاد مزيدا من الانقسام والضعف ان اللحظة الراهنة تفرض قطيعة واضحة مع هذا المسار فانه لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل استمرار الحرب ولا يمكن استعادة كرامة الانسان السوداني في بيئة يسودها الخوف والفوضى وانتهاك الحقوق ان وقف الحرب ضرورة قانونية واخلاقية وتاريخية يترتب عليها ما يلي وقف فوري وشامل لاطلاق النار حماية المدنيين وفتح الممرات الانسانية دون قيد او شرط الشروع في عملية عدالة تضمن محاسبة كل من تورط في الجرائم اعادة بناء المؤسسة العسكرية على اسس مهنية وطنية خاضعة للسلطة المدنية الانتقال الى مشروع سلام دائم يعالج جذور الازمة لا اعراضها ان كرامة الانسان السوداني لا يمكن ان تكون رهينة لصراع السلاح ولا يجوز ان يستمر الوطن رهينة لقرارات الحرب ان التاريخ يسجل والشعوب لا تنسى اما ان تكون المؤسسة العسكرية اداة لحماية السودان او تتحمل مسؤولية ما ترتب على هذا الانحراف من مآس لقد آن الاوان لوقف الحرب وانهاء دوامة الرعب والفوضى والانتقال الى سلام عادل ودائم يعيد للدولة معناها وللانسان السوداني حقه في الحياة والامن والكرامة نواصل بمشيئة الله بتاريخ ١٤ /مايو /2026 شارك تصفّح المقالات السُودان: ما فيِه من رمقٍ.. أم ما تغشاه طيف نعاس؟!