د. عبدالناصر علي الفكي..يكتب شكّل بناء التحالفات والقوى والتجمعات في التاريخ الوطني السياسي في السودان بين الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وحركات الكفاح المسلح إطارًا بنيويًا يجتهد ويعمل على الدوام نحو تجاوز التعقيدات الشاملة العميقة لدولة مابعد الاستقلال ، من أجل بناء دولة مدنية ومجتمع ديمقراطي. اتسمت تلك التحالفات بأنها كانت قائمة على برنامج سُمّي في الثقافة السياسية السودانية “الحد الأدنى من الاتفاق” حول القضايا الأساسية في إدارة الحكم، ونظام الاقتصاد، والعلاقات الخارجية في الفترة الانتقالية، والتي تسبق نظريًا عملية تنظيم الانتخابات واختيار الجهاز التشريعي والتنفيذي. تعمل التحالفات في واقع يتسم بالهشاشة والانقسامات والصراعات السياسية والثقافية والاجتماعية. والسؤال الأساسي: هل تستطيع التطور التنظير الواقعي نحو حل حقيقي لإنهاء الحرب، وابتداع الآليات والأساليب وفرص الحل أمام العقبات الشائكة المعقدة الآن؟ عندما نتفحص تاريخ التحالفات والتجمعات للمعارضة السياسية في فترة ما بعد الثورات والانتفاضات، نلاحظ بأن اتفاق (الحد الأدنى) ظل يتزعزع ويضعف نتيجة لحالات الانقسام والصراع الحزبي الذاتي داخل جبهة الهيئات الوطنية في ثورة أكتوبر 1964م، وأيضًا تحالف التجمع الوطني الديمقراطي في انتفاضة 6 أبريل 1985م، وأخيرًا تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير 2019م. وبعد حرب 15 أبريل 2023م، تشكل تحالف القوى المدنية الديمقراطية. وهي نماذج علي سبيل المثال وليس الحصر، العامل المشترك بين كل التحالفات والقوى السياسية التحالفية هو حالة الانشقاقات والتصدعات والتآكل، أي تصبح مع الوقت ميكروسكوبية البنية العضوية وبالتالي التأثير والفعل العام . التتبع التاريخي والتحليلي لتلك الظاهرة المتكررة لدى القوى السياسية والمدنية، وفقًا لأهميتها وضرورتها لإحداث التغيير المدني الديمقراطي، باعتبارها حقيقة وفعلًا ثوريًا يؤدي إلى عمليات بناء واستدامة التنمية والاستقرار والسلام. ظلت التحالفات السياسية تقدم حلاً قصير الأمد، وليس فكرًا استراتيجيًا للقضايا الأساسية، وإنما كانت ترحيلًا وحلًا تخديريًا. ومع تفاعلات التغيير فيما بعد، محاور تداخل وتبادل المصالح داخل التحالفات والتي احيانا تتحالف تحت الطاولة في عمليتي صراع وليس تنافس ، وذلك مصدر خلافات وتباينات تؤدي إلى الضعف بل وانحسار المواقف بين الحلفاءفي التكتل السياسي، كل ذلك يدور في ظل وجود قوي أخرى خارج التحالف المعني من الجيش وحركات الكفاح المسلح أو حتى قوى الدولة العميقة للنظام المخلوع. وهذه المواقف المتواتر المؤثرة تجعل موازين القوى في الفترات الانتقالية فيما بعد حالة سيولة للموقف المتبادل بين أدوار العدو والصديق والحليف. التحدي الحقيقي للتحالفات الآن في كيفية أن تكون قائمة على اساس مشروع وطني شامل، في إطار التحالف المعني الذي يملك أدوات العلاج التشخيص والحل ، وليس مخدرًا كما هو الحال في التجارب السابقة. والأمر الآخر ذو الأهمية لبناء التحالفات هو تجاوز الثقافة الاجتماعية السائدة مجتمعيًا، المتمثلة في عدم الترحيب المشجَّع بالتراتبية والتنظيم الهيكلي، والصورة المتداولة بعدم الثقة بالشباب وصراع الأجيال. وهو ما يتطلب مواجهة تلك العقبات بشجاعة وثبات فكري، وفصل الذات عن الموضوع، خاصة وأن المجتمع يشهد الآن حالة نمو وتصاعد متسارع للمرجعيات الإثنية والقبيلة، مليشيات عسكرية عرقية، يملأ فراغ المجال العام بشكل لم يسبق له مثيل. الحرب الان وآثارها تعدَّت الجانب العسكري الأمني، إذ غدت نتاج لتفاعلات بين إرث تاريخي في الصراع الثقافي والاجتماعي والسياسي لأطراف الحرب. وتدخلات قوي إقليمية ودولية متداخلة متباينة ، وهو الذي يجعل التحالفات المستقبلية معنية بتعظيم الحل السوداني-السوداني والحد من التدخل الخارجي، وكذلك إجبار الأطراف المتحاربة على التوجه نحو التفاوض وإنهاء الحرب بوسائل وآليات مناسبة ذات توطين سوداني، مع بعض الدعم والمساندة الدولية والإقليمية. وهو أمر صعب، لكنه ليس مستحيلًا في بيئة مليئة بالاصطفافات والمصالح والتفاعلات على مستوى المجتمع والدولة والإقليم. لابد من الاستفادة من تجارب الإرث السابق للتحالفات، من خلال التقييم والتقويم ذي الطابع العلمي الأكاديمي، والاستعانة بمراكز بيوت الخبرة العاملة في هذا الإطار. ان خصوصية مأساوية الحرب وتقلباتها وتشعباتها تستوجب العمل نحو دَرْء آثار الحرب في مجال السلام المستدام، وإشباع حاجات المواطن الأساسية، وتعظيم الثقة بالمنظمات الاختيارية والموضوعية، وتكامل أدوارها في بناء بنية معرفية مدنية ديمقراطية. كذلك توسيع قاعدة المشاركة الأهلية الشعبية في حل المشكلات والقضايا، بالاهتمام بتفاصيل محور المجتمعات الريفية والبدوية والحضرية، وألا تنحصر نخبويًا وسط أصحاب الياقات البيضاء وأنصاف المثقفين. سوسيولوجية تجاوز الخوف كفعل منهجي جماعي المنطلق، لمواجهة الحرب بالتوجه نحو تعزيز قيم المدنية والمواطنة والسلام والتنمية والتعايش الاجتماعي واثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. الخ. النخب السياسية المدنية، بالدرجة الأولى، معنية بأن تتجاوز إرث التحالفات المؤقتة في اللحظات الحرجة لصالح فكر استراتيجي يؤدي إلى مشروع بناء الدولة المدنية. شارك تصفّح المقالات مخططات حكومة الشحادين: اغتالت نجومية القادة المزيفين نيروبي والطريق الجديد