بقلم: الأحمر

تشير جملة من المعطيات السياسية والتنظيمية إلى تنامي نفوذ مجموعة محدودة داخل تحالف “تأسيس”، يُطلق عليها مجازًا “الأنبياء الستة”، وهي مجموعة بات يُنظر إليها باعتبارها صاحبة التأثير الأكبر على دوائر اتخاذ القرار داخل التحالف، بما في ذلك التأثير المباشر على رئيس مجلس الوزراء محمد حسن التعايشي، عبر السيطرة على مفاصل العمل السياسي والتنفيذي وإدارة التوازنات الداخلية وفق مصالح محددة.

هذا النفوذ لم يعد مجرد انطباعات أو اتهامات سياسية متبادلة، بل أصبح ينعكس بصورة واضحة في طبيعة التعيينات الأخيرة داخل مؤسسات الدولة وهياكل التحالف. فقد جرى الدفع بعدد من الشخصيات المحسوبة على النظام السابق إلى مواقع حساسة، أبرزها تعيين موسى خدام أمينًا عامًا لمجلس الوزراء، رغم خلفيته التنفيذية والتنظيمية خلال عهد النظام السابق، حيث شغل مناصب وزير ولائي ومعتمد بولاية وسط دارفور. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن الأمانة العامة لمجلس الوزراء تُعد إحدى أهم المؤسسات التي تُصاغ داخلها القرارات التنفيذية وتُهندس عبرها السياسات الحكومية.

وفي السياق ذاته، برز اسم الباشا طبيق باعتباره أحد أبرز المستفيدين من دعم هذا اللوبي، إذ تم الدفع به إلى الهيئة القيادية لتحالف “تأسيس” وإلى اللجنة الفنية المرتبطة بقوات الدعم السريع، الأمر الذي أتاح له مساحة واسعة للتأثير على الترشيحات والتوازنات الداخلية، قبل أن يتم اختياره وزيرًا للنفط، بما يضمن – بحسب منتقدين – إحكام السيطرة على ملف البترول وإقصاء بعض رموز الثورة الذين حظوا بقبول واسع داخل القواعد التنظيمية.

كما أن تعيين حذيفة أبو نوبة رئيسًا للجنة التنظيم، وهي من أهم اللجان داخل التحالف، يعزز المخاوف المتعلقة بإعادة تمكين تيار بعينه داخل المؤسسات الجديدة، خصوصًا في ظل الحديث المتكرر عن تغليب الولاء السياسي على معايير الكفاءة والتوافق.

ومن مظاهر التمدد المؤسسي كذلك، تعيين عزالدين الصافي رئيسًا للهيئة الوطنية للوصول الإنساني بدرجة وزير، رغم وجود مؤسسات قائمة تؤدي أدوارًا متقاربة. ويرى مراقبون أن إنشاء أجسام موازية بهذا الشكل قد يفتح الباب أمام تضخم الهياكل الحكومية واستخدامها كأدوات لإعادة توزيع النفوذ السياسي أكثر من كونها استجابة لحاجة إدارية حقيقية، خاصة وأن الرجل لعب أدوارًا مثيرة للجدل خلال فترة الحكومة الانتقالية.

أما على مستوى التأثير التشريعي والسياسي، فيبرز دور مكين تيراب الذي يشغل موقع مقرر التحالف، قبل أن تتم ترقيته إلى نائب رئيس مجلس الأقاليم، وهو موقع يمنحه قدرة كبيرة على التأثير في مسار التشريعات وصناعة التوازنات السياسية داخل مؤسسات الحكم الانتقالي.

وتتزايد المخاوف بصورة أكبر مع الحديث عن تدخل هذه المجموعة في تشكيل مؤسسات ذات طابع سيادي واقتصادي، مثل مجلس العملة، بما قد يمنحها صلاحيات موازية للبنك المركزي، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الاقتصادي وإمكانية توظيف المؤسسات المالية لخدمة أجندات سياسية ضيقة.

في ضوء هذه المؤشرات، يرى كثير من المراقبين أن استمرار هيمنة هذا اللوبي على مفاصل القرار داخل تحالف “تأسيس” قد يمثل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل التحالف نفسه، ولأهداف المرحلة الانتقالية التي قامت – في الأساس – على شعارات العدالة والشفافية وإنهاء الاحتكار السياسي. كما أن إعادة إنتاج مراكز النفوذ القديمة بوجوه جديدة قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وفقدان الثقة الشعبية في مشروع “السودان الجديد” الذي ترفعه قوى الثورة.

إن أي مشروع سياسي يسعى لبناء دولة مستقرة وعادلة لا يمكن أن ينجح في ظل احتكار القرار داخل دوائر ضيقة، أو عبر إعادة تدوير النخب القديمة تحت مسميات جديدة. ولذلك فإن المخرج الحقيقي يكمن في مراجعة شاملة لبنية التحالف، وتوسيع قاعدة المشاركة، واعتماد معايير واضحة للكفاءة والشفافية، بما يضمن عدم تحول مؤسسات المرحلة الانتقالية إلى أدوات لخدمة جماعات النفوذ بدلًا من خدمة الشعب السوداني.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *