​ نفيسة حجر…تكتب

​يخرج علينا الكاتب مصطفى البطل متكئاً على قراءة تحليلية للأستاذة حنان حسن، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن “أسطورة عبد الواحد محمد نور قد تلاشت وخبا بريقها”، معتبراً أن توقيعه الأخير في نيروبي مرّ دون اكتراث.

وهي قراءة تجافي الواقع السوداني المعقد وتفتقر إلى العمق في فهم طبيعة وحجم حركة جيش تحرير السودان وقائدها.

​إن هجوم مصطفى البطل على هذه الخطوة ومحاولته التقليل منها لا ينفصل عن خطه الفكري المعهود فالكاتب الذي اعتاد توجيه قلمه ونقده اللاذع دوماً ضد المنصات المدنية والقوى المنادية بالسلام، يمارس هنا دوراً مكملاً للأجندة التي تضيق ذرعاً بأي حراك يسعى لإيجاد مخرج سياسي لإيقاف الحرب.

إن محاولاته المستمرة لتسفيه أطروحات وقف الحرب، والتهوين من شأن التحالفات التي تسعى لبناء جبهة وطنية عريضة، تضع قلمه بقصد أو بدون قصد في خندق معسكر استمرار الحرب والحلول العسكرية الصفرية، عبر إضعاف وشيطنة كل بديل سلمي حقيقي يمكن أن يخرج البلاد من مستنقع الدمار الراهن.

​ومن هنا، فإن محاولة تصوير مواقف القائد عبد الواحد محمد النور على أنها “تجاوزتها الأحداث” أو أنها أصبحت “أثراً بعد عين” تكشف عن خلل كبير في معايير القياس السياسي فالأثر الحقيقي للقادة لا يُقاس بمدى صخب منصات التواصل الاجتماعي أو ترحيب صالونات السياسة النخبوية، بل يُقاس بمدى التجذر في الأرض والالتزام بقضايا الجماهير الحقيقية.

​إن عدم اهتمام عبد الواحد محمد النور بالركض خلف الاتفاقيات الجزئية والمحاصصات السلطوية طوال السنوات الماضية لم يكن “عزلة” أو “تلاشياً” كما يروج صاحب القلم الساخر، بل كان موقفاً مبدئياً يرفض الحلول الترقيعية التي أثبتت الأيام والحروب الكارثية الراهنة عقمها. والتاريخ يُنصف الآن رؤية عبد الواحد الذي كان يردد دوماً أن أي سلام لا يخاطب جذور الأزمة السودانية، ولا ينصف الضحايا على الأرض ويضمن محاسبة المنتهكين، هو سلام هش لن يصمد.

​وفي ذات السياق، حين يتحدث الكاتب عن “تجاهل شبه كامل”، فإنه يتناسى بوعي أو بدونه أن القوة الحقيقية لحركة جيش تحرير السودان مستمدة من ملايين السودانيين في معسكرات النزوح واللجوء والمناطق المحررة.

هؤلاء هم اهل “السودان الحقيقين” الذين لم ينفضوا يوماً من حول قيادتهم، لأنهم يعلمون أن عبد الواحد هو الصوت الذي لم يساوم على قضاياهم الأساسية من أجل منصب أو مكسب سياسي عابر، ولم يبع دماء الشهداء في سوق التسويات.

​لذلك، جاء توقيع القائد عبد الواحد محمد النور على إعلان المبادئ مع مجموعة كبيرة “من القوي السياسية والمدنية” في نيروبي كاختراق سياسي هام وحجر أساس يُلقى في بركة السياسة الراكدة في توقيت دقيق يمر به الوطن.

إنه يمثل محاولة جادة وصادقة لبناء جبهة وطنية عريضة لإيقاف الحرب وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة من العدالة والمواطنة المتساوية، وهو الحدث الدامغ الذي يخشاه أصحاب المصالح الضيقة لدرجة محاولة التهوين منه.

​وإذا كان الكاتب ما زال يبحث عن تجليات وجود عبد الواحد محمد النور وحركته، فليتأمل الواقع الإنساني الشاخص على الأرض في إقليم دارفور؛ ففي الوقت الذي اشتعلت فيه نيران الحرب العبثية وعجزت فيه الكثير من الأطراف، كانت مناطق سيطرة القائد عبد الواحد هي الملاذ الآمن الوحيد الذي استقبل مئات الآلاف من المواطنين الفارين من الموت.

لقد تجلى هذا الوجود عملياً في تقديم المساعدات الإنسانية والحماية لكل السودانيين دون تمييز، لتتحول تلك المناطق إلى ملازم أمن أثبتت أن الحركة ليست مجرد تنظيم سياسي، بل هي مؤسسة وطنية مسؤولة تحتضن شعبها في أحلك الظروف.

​آخر قولي

​الأسطورة لا تنتهي طالما أن القضية التي ولدت من أجلها ما زالت حية في وجدان ومصير الشعب.

عبد الواحد محمد النور ليس ظاهرة صوتية تخبو بقلة التفاعل على المنصات، بل هو رقم صحيح في المعادلة السودانية، وعنصر أساسي لا يمكن تعمُّد تجاوزه إذا أراد السودان عبور هذه المحنة نحو سلام عادل ومستدام.

الأيام لم تتجاوز عبد الواحد، بل إن الأحداث الجارية تعيد الجميع مجدداً إلى المربع الذي طالما حذر منه ونادى بتصحيحه، لتؤكد أن السلام الحقيقي يبدأ من حلف المبادئ لا تحالف المصالح المصطنعة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *