آدم الحاج أديب..يكتب

التاريخ: الأربعاء 15 يوليو 2026م | 30 محرم 1448هـ

لم تكن الأحداث التي شهدتها منطقة الدبة مجرد احتكاك أمني عابر، بل أعادت إلى الواجهة سؤالًا ظل يلاحق الدولة السودانية لعقود: ماذا يحدث عندما تصبح المليشيات أداة لإدارة الصراع، بدلًا من بناء مؤسسة وطنية تحتكر استخدام القوة وفق الدستور والقانون؟

إن ما يجري في السودان اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ طويل من إدارة الدولة عبر القوة، واستخدام الأدوات العسكرية والأمنية لمعالجة أزمات سياسية واجتماعية عميقة. فقد أدى الاعتماد المتكرر على تشكيلات مسلحة خارج الإطار المؤسسي للدولة إلى إنتاج واقع معقد، أصبحت فيه القوة المسلحة أحيانًا جزءًا من الأزمة بدلًا من أن تكون وسيلة لحلها.

إن مفهوم “مصانع التمليش” لا يشير إلى مصنع بالمعنى الحرفي، وإنما إلى منظومة سياسية وأمنية أعادت إنتاج قوى مسلحة متعددة عبر مراحل مختلفة، تحت مبررات متغيرة، لكنها جميعًا ساهمت في إضعاف احتكار الدولة للسلاح وتعقيد مسار بناء جيش وطني مهني. فالقوة التي تُنشأ لخدمة هدف مرحلي قد تتحول مع الزمن إلى مركز نفوذ مستقل يصعب ضبطه أو دمجه بسهولة.

ومن هنا، فإن أحداث الدبة بين عناصر من القوة المشتركة وأفراد من قبيلة الكبابيش لا ينبغي قراءتها كحادثة منفصلة عن هذا السياق العام، بل باعتبارها مؤشرًا على هشاشة البنية الأمنية والاجتماعية التي خلفتها عقود من سياسات التعبئة المسلحة وتغذية الولاءات الضيقة على حساب مفهوم المواطنة والدولة.

غير أن جذور الأزمة السودانية أعمق من تعدد المليشيات أو صراعات القوة؛ فهي في جوهرها أزمة دولة ومؤسسات تحتاج إلى إعادة تأسيس. فالدولة التي تتداخل فيها الولاءات السياسية والإثنية والجهوية مع مؤسساتها السيادية تصبح عاجزة عن بناء سلام مستدام أو تحقيق استقرار حقيقي.

ومن المفارقات التي يصعب تجاوزها في قراءة التاريخ السياسي السوداني أن أكبر حزب حكم السودان لم يكن حزبًا مسجلًا وفق قانون الأحزاب السياسية، بل المؤسسة العسكرية التي وصلت إلى السلطة مرارًا عبر الانقلابات. فمنذ الاستقلال، كان الانقلاب العسكري وسيلة متكررة لتغيير الحكم وتعطيل الدساتير وإعادة تشكيل المشهد السياسي. ومن هذا المنظور، فإن تتابع الانقلابات يعكس تحول المؤسسة العسكرية من فاعل أمني إلى فاعل سياسي رئيسي، وهو تحول أسهم في إضعاف التجربة الديمقراطية وأدخل البلاد في دائرة متكررة من الانقلاب والانتقال والصراع، على حساب بناء دولة المؤسسات وسيادة الدستور.

إن أزمة السودان ليست في وجود خلاف سياسي عابر، وإنما في طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها. فإعادة بناء الدولة تتطلب إعادة تعريف وظيفة المؤسسات السيادية، بحيث تكون خادمة للمواطن والدستور، لا طرفًا في التنافس على السلطة.

ويرى منتقدون للمؤسسة العسكرية أن انخراطها الطويل في الصراع السياسي الداخلي أضعف صورتها كمؤسسة قومية جامعة، وأثار تساؤلات حول أولوياتها الوطنية، خاصة مع استمرار قضايا حدودية مثل حلايب وشلاتين وأبورماد والفشقة، مقارنة بحجم الخسائر البشرية التي لحقت بالسودانيين نتيجة الحروب والصراعات الداخلية. وتبقى هذه القضايا جزءًا من نقاش سياسي وقانوني واسع حول مفهوم الأمن القومي وأولويات الدولة.

إن السلام الحقيقي لا يبدأ فقط من الاتفاقات السياسية التي تُوقَّع داخل القاعات المغلقة، بل يبدأ من المجتمع نفسه، عبر مصالحة اجتماعية عميقة تعيد بناء الثقة بين السودانيين، وتعالج آثار الحرب، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية.

فالسلام الذي تصنعه النخب السياسية وحدها قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يعالج جذور الأزمة إذا بقي المجتمع منقسمًا، وإذا ظلت مؤسسات الدولة محل صراع بين القوى السياسية والعسكرية.

إن مستقبل السودان لن يُبنى بتغيير موازين القوة العسكرية فقط، وإنما بإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة: جيش مهني قومي، ومؤسسات دستورية مستقلة، وسلاح واحد تحت قيادة الدولة، ومصالحة وطنية حقيقية تشمل جميع السودانيين.

فالمعركة الحقيقية ليست معركة انتصار طرف على آخر، بل معركة إنهاء دورة إنتاج العنف. فإذا استمرت مصانع التمليش في العمل، فإن كل صراع سينتج صراعًا جديدًا، وستتغير الأسماء والرايات، بينما يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *