عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان…يكتب لم تكن الأزمة السودانية في أصلها صراعا قبليا أو جهويا بل كانت في جوهرها أزمة دولة وأزمة حكم وإدارة وتوزيع عادل للسلطة والثروة غير أن أخطر ما شهدته البلاد خلال العقود الماضية هو تحويل النزاع السياسي والإداري من خلاف حول كيفية إدارة الدولة إلى صراع قبلي وجهوي دموي يهدد وحدة المجتمع ويقوض أسس الدولة نفسها فالنزاعات السياسية مهما بلغت حدتها يمكن معالجتها عبر الحوار والتسويات السياسية والاتفاقات الدستورية أما حين يتحول الصراع إلى مواجهة بين المكونات الاجتماعية والقبلية فإنه يصبح أكثر تعقيدا وأشد خطورة لأن آثار الثأر والكراهية تمتد لأجيال وتنتقل من ساحة السياسة إلى داخل البيوت والقرى والمدن لقد أسهم الفشل المزمن في بناء دولة المواطنة المتساوية منذ الاستقلال في إضعاف الانتماء الوطني الجامع وجعل قطاعات واسعة من المواطنين تلجأ إلى القبيلة باعتبارها مصدر الحماية والأمن والتمثيل الاجتماعي في ظل غياب مؤسسات دولة قادرة على توفير العدالة وسيادة القانون كما ساهمت سياسات الاستقطاب والتوظيف السياسي للانتماءات القبلية في تعميق الانقسامات المجتمعية حيث جرى في فترات مختلفة استخدام القبائل والمجموعات المحلية كأدوات في الصراعات السياسية والعسكرية الأمر الذي أدى إلى إضعاف الهوية الوطنية الجامعة وتعزيز الولاءات الضيقة على حساب الانتماء للدولة وزاد من خطورة الوضع انهيار مؤسسات العدالة وإنفاذ القانون في أجزاء واسعة من البلاد فحين يغيب القضاء المستقل وتضعف أجهزة الشرطة والنيابة يصبح الاحتكام إلى القوة والسلاح بديلا عن القانون وتتحول النزاعات الفردية والمحلية إلى مواجهات جماعية واسعة النطاق كذلك لعب الصراع على الموارد الطبيعية من أراض ومياه ومراع ومناطق تعدين دورا محوريا في تأجيج التوترات حيث أدى غياب الإدارة الرشيدة للموارد والتنمية المتوازنة إلى تحويل الخلافات الاقتصادية والتنموية إلى نزاعات ذات أبعاد قبلية وجهوية ولا يمكن تجاهل الدور السلبي الذي مارسته بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي من خلال نشر خطاب الكراهية والتحريض على أساس الانتماء القبلي أو الجهوي وهو سلوك يتعارض بصورة مباشرة مع المبادئ القانونية الدولية التي تحظر التحريض على التمييز والعنف والكراهية فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية نص في المادة (20) على حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف كما أن الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب أكد على المساواة بين المواطنين وحظر كافة أشكال التمييز وعلى المستوى الدستوري فإن المبادئ الدستورية المستقرة في النظم الديمقراطية الحديثة تقوم على المساواة أمام القانون وعدم التمييز بسبب العرق أو القبيلة أو الجهة أو اللون أو الانتماء الاجتماعي وهي مبادئ تشكل الأساس القانوني لبناء دولة المواطنة والحقوق المتساوية إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب معالجة جذورها السياسية والقانونية والاجتماعية عبر وقف شامل للحرب وحماية المدنيين وتجريم خطاب الكراهية والتحريض القبلي ومحاسبة كل من ساهم في إشعال الفتنة أو ارتكب انتهاكات بحق المدنيين أيا كان موقعه أو انتماؤه كما يتطلب الأمر إطلاق عملية عدالة انتقالية شاملة تكشف الحقيقة وتنصف الضحايا وتؤسس للمصالحة الوطنية على أساس الحقوق والعدالة وليس على أساس الإفلات من العقاب مع دعم المبادرات المجتمعية والأهلية التي تسهم في ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز التعايش السلمي ويبقى الإصلاح المؤسسي للدولة شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار وذلك من خلال بناء جيش قومي مهني وشرطة وطنية مستقلة ومؤسسات عدلية محايدة تعمل وفق الدستور والقانون بعيدا عن الولاءات السياسية والقبلية إن مستقبل السودان لن تصنعه القبائل المتصارعة ولا دعاة الكراهية وإنما تصنعه دولة القانون والمؤسسات التي تكفل المساواة والعدالة لجميع المواطنين دون تمييز فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها تدفعهم للبحث عن الحماية في الانتماءات الضيقة أما الدولة العادلة فإنها تجعل المواطنة هي الملاذ الأول والأخير لكل أبنائها ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين القبائل وإنما بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى وبين سيادة القانون ومنطق القوة وبين المواطنة الجامعة والانقسامات التي لا تنتج سوى المزيد من الدماء والخراب نواصل بمشيئة الله بتاريخ 1/يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات العلمانية وعقدة التاريخ الاسلامي المزيف عيدية البرهان: دماء على سترة الكاكي..!