عمار سعيد …يكتب شهدت مصر خلال العقد الماضي تحولات سياسية وأمنية عميقة أعادت تشكيل المشهد الداخلي بصورة كبيرة. فقد اعتمدت الدولة على منظومة أمنية وقانونية مشددة بهدف الحفاظ على الاستقرار ومنع تكرار الاضطرابات التي أعقبت أحداث عام 2011، إلا أن استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة أي دولة على تحقيق الاستقرار طويل الأمد بالاعتماد على الأدوات الأمنية وحدها. ومن بين المتغيرات الجديدة التي تستحق الدراسة وجود أعداد كبيرة من السودانيين الذين لجأوا إلى مصر نتيجة الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023. ووفق تقديرات منظمات دولية والسلطات المصرية، دخل مئات الآلاف من السودانيين إلى البلاد خلال فترة قصيرة، ما زاد الضغط على خدمات الإسكان والتعليم والرعاية الصحية في محافظات مثل القاهرة الكبرى وأسوان والإسكندرية. وأصبح السودانيون جزءاً أكثر وضوحاً من النشاط الاقتصادي اليومي، سواء من خلال استئجار المساكن أو إنشاء مشروعات صغيرة والعمل في قطاعات التجارة والخدمات. ويرى بعض المراقبين أن التفاعل بين المجتمعات السودانية والمصرية في الفضاءات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي قد يسهم في تبادل الخبرات السياسية والأفكار المتعلقة بالمشاركة العامة والحقوق المدنية. فعلى سبيل المثال، انتشرت نقاشات مشتركة حول تجارب الانتقال السياسي في السودان بعد عام 2019، إضافة إلى قضايا الحريات العامة ودور المجتمع المدني. ومع ذلك، فإن حجم هذا التأثير ومدى قدرته على إحداث تغيرات سياسية ملموسة يظل محل نقاش واسع بين الباحثين. وفي المقابل، تواجه مصر تحديات اقتصادية معقدة تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة بين بعض الفئات. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة معدلات تضخم مرتفعة تجاوزت في بعض الأشهر 30% على أساس سنوي، كما ارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية مثل الخبز والزيوت والسكر بصورة أثرت بشكل مباشر على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل. وتزامن ذلك مع عدة تخفيضات في قيمة الجنيه المصري، ما أدى إلى زيادة تكلفة الواردات والضغوط على ميزانيات الأسر. وتشير تجارب دول مثل تونس ولبنان والأرجنتين إلى أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة قد تتحول إلى مطالب سياسية عندما يشعر المواطنون بأن قنوات التعبير التقليدية غير كافية لمعالجة مشكلاتهم. ومن زاوية أخرى، تدرك السلطات المصرية حساسية ملف حقوق الإنسان وصورتها الدولية، ولذلك بذلت خلال السنوات الماضية جهوداً دبلوماسية كبيرة لتعزيز علاقاتها مع الشركاء الدوليين وتقديم نفسها باعتبارها ركيزة للاستقرار الإقليمي في منطقة تشهد اضطرابات متواصلة. كما ترتبط القاهرة ببرامج تمويل وتعاون مع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ما يجعل أداءها الاقتصادي والحقوقي محل متابعة مستمرة من الحكومات والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام العالمية. ورغم ذلك، فإن الحديث عن إمكانية اندلاع موجة احتجاجية جديدة في مصر يبقى أمراً معقداً لا يمكن الجزم به. فالمشهد الحالي يختلف كثيراً عن الظروف التي سبقت ثورة يناير، كما أن الدولة تمتلك أدوات أمنية وإدارية أكثر تطوراً، في حين تبدو قوى المعارضة أكثر تشتتاً وأقل تنظيماً مقارنة بفترات سابقة. لذلك فإن مستقبل الاستقرار في مصر سيظل مرتبطاً بمجموعة من العوامل المتداخلة، أهمها الأداء الاقتصادي، ومستوى الرضا الشعبي، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، إضافة إلى التطورات الإقليمية المحيطة وتأثيراتها على الداخل المصري. وفي النهاية، تؤكد تجارب التاريخ أن الاستقرار المستدام لا يتحقق فقط بالقوة الأمنية أو التشريعات الصارمة، بل يعتمد أيضاً على وجود عقد اجتماعي متوازن يضمن للمواطنين فرص المشاركة والتعبير وتحسين أوضاعهم المعيشية، وهو التحدي الذي تواجهه معظم دول المنطقة بدرجات متفاوتة. شارك تصفّح المقالات أبواق صمود، أزمة التمثيل في السودان: لماذا لا تستطيع نخب السودان القديم بناء سلام مستدام السودان ليس ساحة للموت بل وطن للحياة