آدم الحاج أديب..يكتب لم تكن رسالة الأنبياء يومًا أن يكونوا شهودًا للسلطان، وإنما أن يكونوا شهداء عليه بالحق. ولم يكن العلماء في تاريخ الإسلام ورثة الأنبياء لأنهم حفظوا النصوص، وإنما لأنهم حملوا أمانة العدل، وجعلوا كلمة الله فوق كلمة الحاكم، ولم يجعلوا الحاكم فوق أحكام الله. إن أخطر ما يواجه الأمة ليس أن يخطئ السياسي؛ فالسياسة بطبيعتها مجال للاجتهاد والمصلحة والخطأ والصواب، وإنما أن يتحول الخطأ السياسي إلى “واجب شرعي”، والقرار السلطوي إلى “فتوى دينية”، ويصبح الاعتراض على الحاكم اعتراضًا على الدين نفسه. عندها لا يعود الدين هاديًا للسلطان، بل يصبح أداة في يده، يبرر بها ما يشاء ويجرم بها من يشاء. لقد وضع القرآن ميزانًا لا يتبدل بتبدل الحكام ولا بتغير الرايات، فقال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، وقال أيضًا: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾. فهذه النصوص لم تجعل العدل تابعًا للانتماء، ولم تجعل الحق حكرًا على جماعة دون أخرى، وإنما جعلته تكليفًا إلهيًا لا يسقط في زمن الحرب ولا في زمن السلم. غير أن بعض الخطابات الدعوية في واقعنا المعاصر انزلقت إلى معادلة خطيرة؛ فهي تشدد في إدانة الظلم إذا صدر من الخصوم، لكنها تلتمس الأعذار إذا صدر من الحلفاء. وتستحضر النصوص التي تدين فريقًا، ثم تغيب النصوص نفسها عندما تتعلق بالطرف الذي تؤيده. وهنا لا يكون الخلل في النصوص، وإنما في طريقة توظيفها. إن العالم لا يُقاس بعدد الروايات التي يحفظها، من القرآن ولا بعدد المؤلفات التي كتبها، ولا بطول لحيته أو كثرة أتباعه، وإنما يُقاس بقدرته على الانتصار للحق حين يكون ثمنه باهظًا. فكم من صاحب علم أضاعه الهوى، وكم من صاحب بيان جعله سلعة في سوق السياسة. وليس أدل على ذلك من أن القرآن نفسه حدثنا عن علماء عرفوا الحق ثم انحرفوا عنه، وحذر من كتمان العلم وشراء آيات الله بثمن قليل. فالعبرة ليست بكثرة العلم، وإنما بالعمل به. ولذلك فإن الأمة لا تبحث عن علماء يحسنون تبرير الواقع، وإنما عن علماء يملكون شجاعة تصحيحه. إن وظيفة العالم ليست أن يمنح السلطة صكوك البراءة، ولا أن يحول المنبر إلى منصة تعبئة سياسية، بل أن يبقى ضميرًا حيًا للأمة، يذكر الجميع بأن الدماء معصومة، وأن الظلم حرام، وأن العدل لا يتجزأ. فإذا صار العالم أسيرًا للاصطفاف، فقد المنبر رسالته، وفقدت الفتوى هيبتها. إن أخطر ما يترتب على هذا المنهج ليس فقط تضليل العامة، بل تشويه صورة الدين نفسه. فالناس حين يرون الأحكام تتغير بتغير الفاعل، والفتوى تتبدل بتبدل الموقف السياسي، يظنون أن المشكلة في الشريعة، بينما المشكلة فيمن جعل الشريعة تابعة للسياسة، لا حاكمة عليها. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا في ضمير كل عالم هو: هل قلت كلمة الحق عندما كان السلطان في حاجة إلى من يعظه، أم اكتفيت بترديد ما يرضيه؟ فالعالم الذي لا يستطيع أن يقول للحاكم: “أخطأت”، لن يستطيع أن يقول للمجتمع: “اتقوا الله”، لأن الناس لا يثقون في خطاب يطالب الضعيف بما يعفي منه القوي. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب التي تؤجج الانقسام، ولا إلى فتاوى تمنح الشرعية للاصطفاف، وإنما يحتاج إلى خطاب ديني يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، ويضع الجميع أمام ميزان واحد، فلا يبرر جريمة لأنها صدرت من حليف، ولا يهون من دم لأنها سالت على يد من يوافقه في الرأي. إن شريعة الديان لا تعرف عدلًا موسميًا، ولا حقًا انتقائيًا، ولا ولاءً يقدم على حدود الله. ومن جعل الحق تابعًا للسلطان فقد خسر السلطان والحق معًا، أما من جعل السلطان تابعًا للحق، فقد أدى الأمانة التي حملها الأنبياء وورثها العلماء. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى معلقًا في ضمير الأمة، لا في وجه العلماء وحدهم، هو: من يعظ السلطان بأن الحق لا يتجزأ في شريعة الديان؟ فمن يجرؤ على قولها اليوم، هو الأحق بأن يحمل ميراث النبوة، لأن العلماء لا يعرفون بقربهم من أبواب الحكام، وإنما يعرفون بثباتهم على أبواب الحق. شارك تصفّح المقالات عنقودٌ من إنسانياتِ السودان يضيءُ على سجادةٍ قشّ؟! الضمير الإنسانى العالمى امام محك الكارثة الإنسانية السودانية !!