عبد الناصر علي الفكي أستاذ جامعي – مركز تنمية التعايش الاجتماعي…يكتب Oknasser@gmail.com أصدر المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي القرار رقم (83) لسنة 2026، الذي يقضي بإلزام جميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة بالعودة الكاملة إلى مقارها الأصلية داخل السودان، مع إغلاق كافة المراكز البديلة المؤقتة التي نشأت أثناء الحرب. وقد تم تحديد اليوم الأول من أغسطس 2026 كحد أقصى لتنفيذ القرار، مع التهديد بحرمان أي جهة مخالفة من قبول دفعات جديدة للعام الدراسي 2026–2027. واستند القرار إلى قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2021 (المادتين 7 و9)، في خطوة وُصفت بأنها ذات طابع سيادي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جعل الجامعات والكليات – حكومية كانت أم خاصة – تنتقل أثناء الحرب إلى خارج السودان أو إلى مناطق النزوح؟ الإجابة تكمن في انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وانعدام ما يوفر استقراراً دراسياً، فضلاً عن هجرة ولجوء ونزوح الكفاءات في المجال الأكاديمي. ومن ثم، يبقى التساؤل الأهم: ما الهدف الحقيقي من هذا القرار؟ هل هو تنظيم القطاع، أم ضبط جودة التعليم، أم إنهاء الفوضى المؤقتة، أم مجرد تأكيد لهيبة الدولة في وقت هي أحوج ما تكون إليه؟ القراءة السوسيولوجية لهذا القرار، يمكن استخلاص رؤى نقدية جوهرية. فمن ناحية، يُوصف “الخوف المرضي” بأنه العائق الأساسي أمام أي سلام مستدام؛ وهذا الخوف ليس مجرد رد فعل طبيعي، بل تحول إلى سلوك سياسي سائد يُفهم في إطار ثقافة أدوات الحرب الناعمة كأسلوب مساند للحرب العسكرية الصلبة. إن العودة إلى مناطق شهدت تواجد الحرب جغرافياً، مثل الخرطوم، ليست سوى “قفزة خاطئة” غير مجدية، فالخوف من إعادة تكرار حالات الاشتباكات والعنف بكافة أشكال يجعل من تحقيق بيئة الأمان النفسي والمادي الضروري لاستقرار العملية التعليمية أمراً بالغ الصعوبة. وهذا ما يُشدد عليه: إن عمليات السلام الحقيقي هي التي تعالج جذور المشكلة، وتتطلب بناء مؤسسات علمية ومهنية تعالج الأسباب الهيكلية للصراعات. لذلك، فإن أي محاولة لاستئناف الدراسة بشكل طبيعي دون معالجة جذور الصراع تبدو أشبه بوضع مكمّدات مؤقتة على جرح الأزمة الوطنية الشاملة التاريخية . فعودة الجامعات كحل جزئي لاستعادة شكل الدولة، وتخطي الأزمة لن يكون لها محصلة وطنية ما لم يشعر ويتمتع الطلاب والأساتذة بالأمان المادي والمعنوي في العمل والسكن وضرورياتهما. أمام المخاطر والمهددات المحتملة بشكل دائم، تبعا لتطور أدوات الحرب العسكرية والاستخبارتية، القرار يمشي بين مطرقة حاجات الطلاب في التوجه نحو المستقبل بالقلم المستنير لا السلاح المدمر، وسندان وطن مهدد الانقسام وجودياً والحاجة لمدنية ديمقراطية عمادها السلام والتنمية المتوازنة. من الضروري إعادة التفكير في استراتيجية التعايش الاجتماعي المنشود، لحرب وما صاحبها من حالات فرز وتباين إثني عرقي متعاظم بين الجماعات السودانية تحت أخطبوط بناء صناعة الكراهية، تحت سرديات رمزية واهية محدودة المصلحة والفائدة. كيف يمكن للمجتمع الجامعي – أساتذة وعاملين وطلاباً – مجابهة السيل العام لتلك المتغيرات الهائلة، لحمولات ثقافية واجتماعية وسياسية ذات آثار عميقة منها الظاهر والآخر والمستتر ، وهي تتمحور كمعادلات يومية معقدة داخل بنية المجتمع ومؤسسات الدولة. وتلك المنصات الصراعية لا يمكن مواجهتها بحلول مؤقتة ومتعجلة ذات مرجعية حربية ومكسب إعلامي إرضائي، لا تضع في الاعتبار التركيبة المعقدة للصراع وآثارها الممتدة. وإذا كان لابد أن تستمر الحياة الجامعية في مسيرتها العرجاء المؤقتة ، فإن من الأجدر التفكير في نماذج تعليم جامعي بديل – مثل المراكز الإقليمية الآمنة – التي تكون أكثر انسجاماً مع الواقع المتغير، وتحدي ابتكار إبداع مناهج تعليمية أبحاث مرتبط المجتمعات المحلية والتي طالما كانت في هامش الاهتمام والدراسة، عوضا عن العودة القسرية إلى الماضي والتحكم المركزي. وهذا ربما مع التخطيط يمكن بشكل مؤقت، العمل على تنمية لا مركزية تعليمية تنفك من سيطرة المستمرة لأجهزة الدولة على الأطراف. يظل قرار عودة الجامعات غير واقعي وجزئي الحل في ظل دوامة الحرب وضعف وانعدام الخدمات الأساسية. أن نجاح أي قرار تعليمي مرهون بتحقيق شروط السلام الشامل وإنهاء الحرب، واي تنمية تسبق ذلك تكون جهداً بلا طائل، وإهداراً للموارد، واستدامة للمأزق الحالي. شارك تصفّح المقالات رقصة الموت الأخيرة.. حينما يرتدّ “الأبناء” لافتراس الكلبة التي أنجبتهم! المقالة التالية