بقلم: نفيسة حجر في الأوقات الصعبة التي تمر بها بلادنا، يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم: كيف يمكن للمجتمعات أن تحمي نفسها وتبني سلاماً حقيقياً بعيداً عن الصراعات السياسية والمصالح الضيقة؟ من هنا، لفت انتباهنا كمتابعين وباحثين نشاط “تجمع كردفان بأهله ومع أهله”، والذي يقدم فكرة تستحق الدراسة والتحليل، كونها تعتمد بشكل أساسي على المواطنين أنفسهم لحل مشاكلهم بوعي ونظام. ومن خلال الملاحظة، نجد أن هذا الحراك يتميز بأنه نبت من الأرض ولم يأتِ بقرارات فوقية أو من غرف السياسة المغلقة. لقد تشكّل هذا السعي من داخل القرى والبوادي والمدن في كردفان، وميزة هذا التواجد اليومي وسط الناس أنه يتيح للحراك معرفة المشاكل الحقيقية من أمن ومعيشة وخدمات بشكل مباشر من الميدان، ليعبر عنها دون أي تمترس حزبي. وعند النظر إلى طريقة إدارة هذا الحراك، نجد أنه يضم شخصيات أكاديمية ومهنية معروفة بالعمل الميداني، وعلى رأسهم الدكتور عبد الباقي شحتو. والمتابع لنشاط الدكتور شحتو يرى بوضوح التزاماً كبيراً بالعمل المنظم والدؤوب وسط الناس، والاهتمام بقضايا المنطقة وإنسانها. ووجود مثل هذه القامات العلمية يعكس رغبة في تحويل العمل المجتمعي من مجرد جهود عفوية إلى عمل مؤسسي مدروس يساعد المجتمع على الصمود ومواجهة ظروف الحرب الصعبة. والفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا الحراك وتستحق التوقف عندها، هي التركيز على بناء وتطوير قدرات المجتمع بكافة شرائحه. فالمنهجية المتبعة هناك تسعى إلى تدريب وتأهيل الشباب والنساء ودعم دور الإدارات الأهلية. والهدف من هذا التأهيل هو نقل المجتمع المحلّي من دور المتلقي الذي ينتظر الحلول من الآخرين، إلى فاعل أساسي يمتلك المعرفة والقدرة على إدارة موارده وحل خلافاته بنفسه، مما يعزز الاعتماد على الذات. والأهم من ذلك، يلاحظ تركيز هذا الحراك على نقطة جوهرية وهي إعداد المجتمع وتهيئته للتعامل مع “اليوم الأول بعد الحرب”. هذه الرؤية تنطلق من فهم عميق للتحديات الكبيرة التي تظهر عادةً بعد توقف الحروب حيث يتم العمل من الآن على تجهيز كوادر محلية قادرة على نشر السلام فوراً، وإصلاح العلاقات الاجتماعية بين المكونات المختلفة، وإدارة الخدمات الأساسية بجهود محلية ومنظمة، حتى يكون المجتمع مستعداً للبناء من اللحظة الأولى لتوقف القتال. إن القاعدة الفكرية التي يتحرك بها الحراك وهي أن “القرار يصنع من القواعد” تقدم درساً مهماً فالخبرة التاريخية تؤكد أن الحلول الجاهزة التي تأتي من أعلى السلطة غالباً لا تنجح إذا لم تكن نابعة من رغبة وبيئة الناس في الأرض. وتظهر هذه المنهجية في طرح المشاكل الحساسة للنقاش بين أفراد المجتمع أنفسهم لإنتاج حلول تتوافق مع أعرافهم وثقافتهم، ومن ثم رفعها للجهات المسؤولية لتنفيذها. ويتجلى نجاح هذا الأسلوب في معالجة ملفات معقدة مثل النزاعات بين الرحل والمزارعين وقضايا التعايش السلمي، وهي قضايا لا تحلها القرارات الفوقية بل يحلها التوافق والصلح المجتمعي المباشر، باعتباره مدخلاً أساسياً وحقيقياً لتحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا ورتق النسيج الاجتماعي من الجذور. وبناءً على هذا التحليل، يمكن فهم المطالب المرفوعة من قبل تجمع كردفان فهي ليست مطالب شخصية، بل هي حقوق عامة لإنسان كردفان، تتلخص في التأكيد على أن التنمية والتمثيل هما حق للمجتمع ككل، ولا يحق لأي أفراد أو نخب أن يتاجروا بهذه القضايا لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية ضيقة. فهناك وعي شعبي متزايد يرفض استخدام تضحيات الناس كجسر للمغانم المؤقتة. وتتمثل هذه المطالب المجتمعية العادلة في ضرورة تحقيق التنمية العادلة المستدامة التي تضمن توجيه موارد المنطقة لصالح الإعمار وتطوير المدارس والمستشفيات وشبكات المياه، بالتوازي مع بسط الأمن والاستقرار لحماية الأرواح والممتلكات عبر حلول سلمية يتفق عليها أهل الأرض بأنفسهم، بالإضافة إلى أهمية اعتراف الحكومات بالصوت الحقيقي للمجتمع والتعامل المباشر مع الممثلين الفعليين المستمدين شرعيتهم من قراهم ومدنهم، بدلاً من الواجهات المصنوعة في دهاليز السياسة. وفي المحصلة، يظهر هذا الحراك من منظور بحثي كأداة تسعى لتأهيل المجتمع وتمكينه، ليكون المواطن هو الحارس الحقيقي لقضاياه والمدافع عن حقوقه دون وصاية من أحد. وتؤكد القراءة الموضوعية للأحداث أن استقرار البلاد وبناء السلام الدائم يمر بالضرورة عبر تمكين القواعد الشعبية بكافة شرائحها، والاعتراف بحقوقها كاملة كمدخل وحيد لتحقيق العدالة والعيش الكريم للجميع. شارك تصفّح المقالات المقالة السابقة بين بياض السَّمُّور ووحل الخنازير.. مَن يُنقذ السودان من هاوية النُّخب؟