عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

ليست المأساة الحقيقية في الحروب أن يسقط الناس قتلى فحسب بل أن تسقط معها الأحلام وأن تنكسر الآمال وأن يتحول المستقبل الذي كان ينتظره الأطفال إلى مجرد ذكرى مؤجلة بين ركام المدن وصمت المقابر

 

في السودان لم تعد الحرب مجرد أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ولم تعد أرقاما تذكر في التقارير الدولية بل أصبحت واقعا يوميا يعيشه الملايين وألما يسكن البيوت ووجعا يرافق الأمهات وقلقا يلازم الأطفال وشبحا ثقيلا يخيم على حاضر الوطن ومستقبله

 

لقد علمتنا التجارب أن الرصاصة حين تنطلق لا تصيب جسدا واحدا فقط بل تصيب أسرة بأكملها وتصيب مجتمعا بأسره وتصيب وطنا يمتد جرحه لسنوات طويلة وربما لعقود كاملة فالسلاح لا يقتل الإنسان وحده وإنما يقتل فرص التعليم ويقتل التنمية ويقتل الاستقرار ويقتل الثقة بين أبناء الوطن الواحد

 

وما أشد قسوة المشهد حين يصبح الوطن الذي كان يوما أرضا للخير والعطاء ساحة مفتوحة للخوف والنزوح والدمار وما أشد مرارة اللحظة حين يرى المواطن مدرسته قد تحولت إلى مأوى للنازحين أو مستشفى أغلق أبوابه أو حقلا زراعيا هجره أصحابه هربا من وابل الرصاص

 

لقد دفع السودان خلال سنوات الصراع أثمانا تفوق الوصف فهناك أمهات ينتظرن أبناء لن يعودوا وأطفال فقدوا آباءهم قبل أن يعرفوا معنى الأبوة وشباب ضاعت أجمل سنوات أعمارهم بين النزوح واللجوء والخوف وهناك قرى كاملة أفرغت من سكانها ومدن كانت تضج بالحياة فأصبحت شاهدا صامتا على حجم الكارثة

 

إن أكثر ما يؤلم في الحروب أنها لا تسرق الحاضر فقط بل تسرق المستقبل أيضا فالطفل الذي يحرم من التعليم اليوم قد يحرم الوطن من طبيب أو مهندس أو عالم كان يمكن أن يساهم في نهضته والشاب الذي تدفعه ظروف الحرب إلى الهجرة قد يحمل معه طاقة وإبداعا كان الوطن في أمس الحاجة إليهما

 

إن السلاح الذي يقال إنه وسيلة للحسم أثبت عبر التاريخ أنه وسيلة لإطالة المآسي وأن الحرب مهما طال أمدها لا تستطيع أن تصنع سلاما دائما لأن السلام الحقيقي لا يولد من فوهة بندقية بل يولد من العدالة والحوار والاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة الإنسانية

 

لقد آن الأوان لأن يسأل السودانيون أنفسهم سؤالا مصيريا كم مدرسة كان يمكن أن تبنى بالأموال التي أنفقت على الحرب وكم مستشفى كان يمكن أن يفتح أبوابه للمرضى وكم مشروع زراعي كان يمكن أن يوفر الغذاء وفرص العمل وكم طريق كان يمكن أن يربط بين المدن والقرى ويعيد الحياة إلى مناطق طالها التهميش والنسيان

 

إن الأمم العظيمة لا تقاس بعدد الأسلحة التي تمتلكها وإنما تقاس بعدد العقول التي تصنع المعرفة وعدد المؤسسات التي ترعى الإنسان وعدد الفرص التي تفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة

 

ولذلك فإن التحول من منطق الحرب إلى منطق البناء ليس خيارا سياسيا فحسب بل ضرورة أخلاقية وإنسانية ووطنية لأن استمرار النزيف لا يعني سوى المزيد من الأرامل واليتامى والمشردين والمزيد من الخراب الذي يحتاج إلى سنوات طويلة لإصلاحه

 

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البنادق بقدر ما يحتاج إلى مزيد من المدارس ولا يحتاج إلى مزيد من الذخائر بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الكتب ولا يحتاج إلى المزيد من ساحات القتال بقدر ما يحتاج إلى المزيد من المصانع والمزارع ومراكز البحث العلمي ومشروعات التنمية

 

فالأمم التي تستثمر في الإنسان تربح المستقبل أما الأمم التي تستنزف مواردها في الحروب فإنها تدفع أثمانا باهظة من حاضرها ومستقبلها معا

 

لقد أثبت السودانيون عبر تاريخهم الطويل أنهم شعب قادر على تجاوز المحن وقادر على النهوض من بين الركام وقادر على إعادة بناء وطنه مهما عظمت التحديات غير أن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتصرت الحكمة على صوت السلاح وإذا انتصرت إرادة الحياة على ثقافة الموت وإذا انتصرت المصلحة الوطنية على كل المصالح الضيقة

 

إن أعظم انتصار يمكن أن يحققه أي شعب ليس الانتصار في ساحة حرب بل الانتصار على أسباب الحرب نفسها لأن المعركة الحقيقية ليست معركة البنادق وإنما معركة بناء دولة عادلة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه وتفتح أمامه أبواب الأمل والعمل والإبداع

 

وسيأتي يوم يسأل فيه التاريخ أبناء هذا الجيل ماذا فعلتم حين كان الوطن ينزف وهل أضفتم حجرا جديدا إلى جدار الحرب أم وضعتم لبنة في مشروع السلام

 

وحين يكتب التاريخ إجابته فلن يتذكر عدد الرصاصات التي أطلقت ولا عدد البنادق التي حملت بل سيتذكر من وقف مع الحياة حين انتشرت ثقافة الموت ومن دافع عن الإنسان حين غابت الإنسانية ومن آمن بأن الوطن أكبر من الحرب وأبقى من الصراع وأغلى من كل المصالح العابرة

 

فالسودان لم يخلق ليكون مقبرة للأحلام ولا ساحة مفتوحة للدمار بل خلق ليكون وطنا للحياة ومصدرا للأمل وأرضا يتعايش فوقها أبناؤه في أمن وكرامة وعدالة

 

وعندما يتوقف صوت السلاح ستكتشف الأجيال القادمة حقيقة بسيطة طالما غابت وسط ضجيج الحرب وهي أن الأوطان لا تبنى بالرصاص وإنما تبنى بالإنسان وأن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة هو الاستثمار في الحياة

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

6/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *