مجاهد بشرى…يكتب من الملاحظ خلال الفترة الماضية أن كل محاولة يقوم بها عبد الفتاح البرهان للتحرك نحو تسوية سياسية أو تعزيز موقعه داخل معسكره المتشظي تُواجه سريعًا موجة من الإجراءات المضادة التي تعمل على إضعافه أو الحد من قدرته على المناورة، ويبدو أن الصراع داخل مراكز القوى في سلطة بورتسودان لم يعد مقتصرًا على الخلافات السياسية التقليدية، بل امتد إلى استخدام الأجهزة العدلية والأمنية كأدوات لتصفية الحسابات وإعادة رسم موازين النفوذ داخل المعسكر نفسه. ومن أبرز المؤشرات على ذلك ما جرى مؤخرًا من فتح بلاغات جنائية متعددة في مواجهة عدد من المستشارين والمنشقين الذين غادروا قوات الدعم السريع وانضموا إلى معسكر بورتسودان، وتشير المعلومات إلى أن هذه البلاغات ارتبطت بتحركات يقودها ضباط برتب عليا في جهاز المخابرات العامة، الذين أوكلوا الجندي السابق بالمخابرات أبوبكر فتح الرحمن رحمة الله، المعروف باسم “أبوكر الحساني”، والذي ارتبط اسمه خلال الفترة الماضية بعدد من حملات الاعتقال والملاحقات التي استهدفت أشخاصًا تحت ذريعة التعاون مع الدعم السريع. وتكشف إحدى الوقائع طبيعة المناخ السائد داخل مؤسسات السلطة الحالية، فقد فوجئ أحد المستشارين المنشقين عن الدعم السريع بوجود بلاغ جنائي ضده، واسمه صدام محي الدين اسحاق، رغم الضمانات التي تلقاها سابقًا من جهات عليا عقب انشقاقه، وعندما داهمت الشرطة منزله بغرض اعتقاله، لم يكن موجودًا في ذلك الوقت، فسارع بالتواصل مع جهات استخباراتية طالبته بتسليم نفسه للشرطة مع وعود بالتدخل لاحقًا لمعالجة الأمر، إلا أن مقربين منه نصحوه بعدم المجازفة، معتبرين أن الضمانات السياسية لم تعد كافية لحمايته في ظل تعدد مراكز القرار داخل السلطة، وبناءً على ذلك غادر السودان متجهًا إلى ليبيا، بينما استمرت الإجراءات القضائية بحقه غيابيًا في قضايا تصل عقوباتها إلى الإعدام. وتربط مصادر مطلعة هذه التطورات بالتحركات السياسية التي يجري الإعداد لها حاليًا، والتي يقال إن البرهان يسعى من خلالها إلى إطلاق عملية سياسية جديدة قد تسمح بعودة بعض الفاعلين المدنيين إلى المشهد، كما قد تتيح له الاستفادة من شخصيات انشقت عن الدعم السريع لتعزيز موقعه التفاوضي والسياسي، ووفقًا لهذه القراءة، فإن بعض الأطراف النافذة داخل المعسكر الحاكم تنظر بعين الريبة إلى أي خطوات يمكن أن تمنح البرهان هامشًا إضافيًا من الاستقلال أو القوة. وفي هذا السياق برزت معلومات تفيد بأن بلاغات جديدة فُتحت مؤخرًا ضد علي رزق الله المعروف بـ”السافنا” والذي تخطط بعض عناصر الاسلاميين داخل نيابة بورتسودان تحريك اجراءات بلاغ 130 سابق، وضد النور القبة أمام نيابة المعلوماتية، بعد أن تقدم بها أشخاص بصفاتهم المدنية، وتشير المصادر إلى أن هذه الخطوة أثارت استياءً داخل دوائر السلطة، خاصة بعد وصول الأمر إلى قائد الجيش، وبحسب الروايات المتداولة، فقد وجّه البرهان انتقادات حادة إلى النائب العام لسلطة بورتسودان، انتصار أحمد عبد العال، مستفسرًا عن أسباب السماح بفتح هذه الملفات في هذا التوقيت الحساس، اعقبه بقرار اعتقال كامل الخلية الأمنية و الشاكي في بلاغات المستشارين المنشقين. وتقول مصادر مطلعة إن الرد الرسمي تمثل في التأكيد على أن البلاغات لم تُفتح بواسطة أجهزة أمنية أو مؤسسات حكومية، وإنما عبر مواطنين استخدموا القنوات القانونية المتاحة، وهو ما جعل إيقافها أو منعها أمرًا بالغ التعقيد من الناحية الإجرائية. غير أن روايات أخرى تشكك في هذه التبريرات، وتعتبر أن استخدام مواطنين كواجهة قانونية لا ينفي وجود إرادة سياسية أو أمنية تقف خلف هذه التحركات. كما تتحدث بعض المصادر عن حالة من التململ لدى السعودية التي كانت تراهن على قدرة البرهان على ضبط المشهد داخل معسكره وإدارة التوازنات المتصارعة فيه. وترى أن تكرار مثل هذه الوقائع يعكس ضعف السيطرة على المؤسسات المختلفة، ويكشف حجم التناقضات التي تضرب التحالف الحاكم في بورتسودان. في المقابل، يذهب تفسير آخر إلى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية ربما توصلت إلى قناعة بأن بعض المنشقين الذين استقبلتهم خلال الأشهر الماضية لم يقدموا المكاسب المتوقعة، سواء على مستوى المعلومات أو على مستوى التأثير داخل قوات الدعم السريع، ومن ثم بدأت عملية إبعادهم أو تحييدهم بصورة مبكرة بعد انتهاء فائدتهم السياسية والإعلامية. لكن بغض النظر عن التفسير الأقرب إلى الواقع، فإن الرسالة التي تخرج من مجمل هذه التطورات تبدو واضحة فالمناخ السائد داخل سلطة بورتسودان لم يعد يوفر ضمانات حقيقية لا للمدنيين ولا للمنشقين، بل إن الجميع أصبح معرضًا للملاحقة والاستهداف إذا تعارض وجوده أو دوره مع مصالح مراكز النفوذ النافذة داخل الدولة والأجهزة العدلية والأمنية. والأهم من ذلك أن هذه الوقائع تعكس وجود تيار قوي يعمل على تعطيل أي انفراج سياسي محتمل لا تكون الحركة الإسلامية جزءًا رئيسيًا منه، أو لا يضمن استمرار نفوذها داخل مؤسسات السلطة ولذلك لم تعد قضية المنشقين مجرد ملف أمني أو قانوني، بل أصبحت جزءًا من معركة أوسع تدور حول شكل التسوية القادمة، ومن يملك حق المشاركة فيها، ومن يتم استبعاده منها. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الرسالة الأكثر وضوحًا للجميع هي أن الانشقاق لم يعد يعني الحصانة، وأن الانتقال من معسكر إلى آخر لا يوفر بالضرورة الأمان السياسي أو القانوني، طالما أن الصراع الحقيقي يدور داخل مؤسسات السلطة نفسها، وبين أطراف تتنافس على النفوذ أكثر مما تتنافس على إنهاء أو بناء تسوية مستقرة. #لاللحرب #اسرار_الحرب شارك تصفّح المقالات محمد حمدان دقلو يقرع جرس انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في نيالا معجزة عمسيب