بقلم نفيسة حجر…تكتب

​خرج البرهان مخاطباً السودانيين طالباً منهم الصبر والتحمل في مواجهة انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وكأن الكارثة مجرد عارض طبيعي لا يد للسلطة فيه، وليست نتاجاً مباشراً لحرب أشعلتها السلطة وأصرت على استمرارها رغم كل هذا الخراب الممتد.

خطاب البرهان هذا لم يكن سقطة سياسية عابرة, بل كان مشهداً مقلوباً ومشوهاً أقام فيه الحاكم محاكمة علنية لشعبه، مطالباً إياهم بدفع ضريبة حربٍ لم يختاروها من قوتهم ودماء أبنائهم، والتصفيق لكرامة زائفة تُهدر قيمتها يومياً في طوابير النزوح والمعاناة.

​يتعامل الجنرال مع هذا الانهيار الكامل للبنية التحتية باعتبار أن هذه الكوارث تفاصيل “مقدوراً عليها” لتختبر إيمان السودانيين. هذا التبسيط المتعمَّد يكشف عن عقلية سادية تتلذذ بعذاب الآخرين وتقتات على آلامهم، كما يعكس سيكولوجية قيادة عسكرية تنظر إلى المأساة من نافذة طائرة خاصة تحلق فوق السحاب إذ يطالب البرهان الناس بالتعايش مع الأزمة، بينما لم تتوقف محركات مروحياته وطائراته التي تنقله بين المطارات، وكأن أزمة الوقود الخانقة كُتبت على المواطن البسيط وحده.

إنه يخطب في الناس مطالباً إياهم بالتعايش مع العتمة من داخل صالونات وقصور سيادية مكيّفة لا تنقطع عنها الطاقة ثانية واحدة، ويطلب الصمود من أبٍ يكافح ابنه للدراسة على ضوء شاشة هاتف شاحب، في حين ينعم أبناؤه وعائلات كبار قادة الجيش برغد العيش والأمن في قصور ماليزيا وعواصم الرفاهية بين إسطنبول والدوحة.

​إن زيف الحديث عن السيطرة والسيادة تفككه الفوضى الإدارية والأمنية العارمة التي بلغت حد العجز عن حماية وتأمين أجهزة الدولة وبعثاتها في الخارج. ففي الوقت الذي ينتظر فيه ملايين النازحين في الخارج ورقة ثبوتية أو جواز سفر يحدد هويتهم المفقودة، تتوارد الأنباء الصادمة عن اختفاء وانقطاع أخبار أفراد بعثة الجوازات والسجل المدني السودانية في تشاد لأسابيع طويلة، وسط تعتيم رسمي مريب وغياب كامل للمعلومات الشفافة من قِبل السلطة التي أرسلتهم.

هذه الحادثة تلخص المشهد بأكمله لسلطة عاجزة عن حماية وتتبع بعثاتها الفنية الرسمية المكلفة بإنقاذ هويات مواطنيها، لكنها تملك كامل القدرة والبلاغة الإنشائية لتطالب هؤلاء المواطنين بالصبر والتحمل!

​لقد بنى البرهان خطابه على ركيزة “الكرامة”، لكن قراءة هذا المفهوم على أرض الواقع تكشف عورته فالكرامة التي يُبشر بها الجنرال هي ذاتها التي تُمتهن يومياً في معابر اللجوء، ومقابر البحار، وسجون دول الجوار. وتتجلى المرارة الكبرى في دولِ جوارٍ خَذلت مَن شَرّع لها الأبواب والقلوب سابقا وتحديداً في مصر وليبيا، تلك الدول التي طالما مرّت بأزمات، وحروب، وهزات طاحنة، فما وجدت من السودان وأهله تاريخياً إلا بيوتاً مشرعة واستقبالاً بلا قيد أو شرط نابعاً من قيم الشهامة والاخاء. لكن ذاكرتهم تبدو قصيرة وجاحدة فالسوداني اليوم يُطارد في الشوارع ، وتُغلق الأبواب في وجهه بشروط تعجيزية، ويتعرض للاحتجاز والترحيل القسري في تنكر صارخ لأواصر الإنسانية. وعندما ضاقت الأرض بـ “أصحاب الأرض”، تحولت قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط إلى البديل الوحيد المتاح، لتكون جثث الشباب والعائلات السودانية الطافية على الشواطئ هي التوقيع الفعلي على وثيقة هذه الحرب العبثية، وليس خطابات المنابر المضللة.

​ومع ذلك، يردد البرهان بثقة مفرطة نغمة أن “الله والشعب معه”. وإذا تركنا الخطاب العاطفي جانباً ونظرنا إلى لغة الأرقام الصارخة، سنجد أكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ مشتتين في أصقاع الأرض، ومدناً كاملة تحولت إلى ساحات قتال مفتوحة، واقتصاداً يحتضر بالكامل وهذا هو حال الشعب الذي يدّعي الجنرال أنه يقف “معه” ويتحدث باسمه، ليبقى السؤال: إن كان هذا البؤس الطاحن والتشرد اليومي هو مكافأة المناصرين، فكيف يكون شكل الجحيم الذي ينتظر المغضوب عليهم؟

إن التمترس خلف الدين لتبرير المأساة يسقط أمام الحقيقة الأزلية بأن الله لا يقف مع الظالمين ولن يبارك الخراب.

إن الواقع يقول إن السلطة لا تقف “مع” الشعب، بل تقف “على” أنقاضه وجثث أحلامه.

والمفارقة العجيبة هنا، أن المواطن السوداني لم يعد مطالباً فقط بتحمل نتائج الحرب، بل يُجبر على إظهار الولاء والثناء لمن تسبب فيها، والويل له إن صمت أو تذمّر؛ إذ تتربص به التهم الجاهزة بالعمالة والخيانة، ليُساق إلى المحاكمة كمتعاون، في ابتزاز فج يجبر الضحية على تحمل تكلفة دمارها والتصفيق لجلادها.

​إن مشكلة الحكام الذين يعيشون خلف متاريس الامتيازات والقصور المضاءة أنهم يفقدون حاسة الشعور بالبشر حيث يصبح الجوع لديهم مجرد بند في جدول أعمال، ويتحول اختفاء البعثات أو غرق الشباب في البحار إلى مجرد إحصائية تضاف إلى تقارير الصمود الزائف.

البرهان الذي يخاطب السودانيين من فوق الغيوم يُصدر خطاباً يعكس حالة متقدمة من إنكار الواقع المنفصم وجنون العظمة، كاشفاً عن خلل نفسي وفقدان للأهلية الأخلاقية ولهذا فهو لم يرَ بؤس الأرض، ولم يسمع حشرجة الغرقى في المتوسط، ولن يكترث أبداً لأنين أسر المفقودين أو يحس بمعاناة الناس.

ولهذا السبب تحديداً، لم يعد الإنسان السوداني ينتظر حلاً لأزمة كهرباء أو وقود من سلطة عاجزة لقد تجاوز الشعب تفاصيل البقاء الصغرى، وبات يوجه للسلطة سؤالاً واحدًا، حاداً ومزلزلاًوهو متى تنتهي هذه الحرب، ومتى تتركون هذا الوطن ليتنفس؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *