عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان….يكتب

 

في اللحظات التي تتعرض فيها الأوطان للأزمات الكبرى تظهر الأصوات التي تتاجر بآلام الشعوب وتسعى إلى تحويل الجراح الوطنية إلى مشاريع سياسية ضيقة وتبرز الدعوات التي تحاول أن تجعل من الانقسام حلا ومن الكراهية منهجا ومن الجهوية بديلا للدولة ومن القبيلة بديلا للوطن ومن المصالح الخاصة بديلا للمصلحة العامة

لكن التاريخ الإنساني كله يؤكد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل وهي أن الأوطان لا تبنى بالتقسيم ولا تحفظ بالتجزئة ولا تستقر بالكراهية ولا تزدهر بالعنصرية وإنما تبنى بالمسؤولية المشتركة والعدالة وسيادة القانون وقبول الآخر واحترام التنوع وترسيخ ثقافة السلام والتسامح والتعايش بين جميع مكوناتها

لقد دفع السودان ثمنا باهظا من دماء أبنائه وموارده واستقراره بسبب الصراعات والحروب والانقسامات السياسية والاجتماعية ولم تكن نتائج تلك الصراعات سوى المزيد من الفقر والنزوح والتشرد وتراجع الخدمات وتعطيل التنمية وتفكك النسيج الاجتماعي

ومن المؤسف أن بعض القوى لا تزال تتعامل مع الوطن باعتباره غنيمة يجب الاستحواذ عليها لا مسؤولية يجب حمايتها وأن بعض تجار السياسة والدين والدم لا يزالون يستثمرون في معاناة المواطنين ويغذون خطاب الكراهية والانقسام ويقدمون مصالحهم الخاصة على مصلحة البلاد والعباد

إن الوطنية الحقيقية لا تقاس بالشعارات المرتفعة ولا بالخطب الحماسية ولا بالمزايدات السياسية وإنما تقاس بمقدار الإخلاص للوطن والحرص على وحدته وسلامة أراضيه وكرامة مواطنيه وحماية حقوقهم الأساسية دون تمييز بسبب العرق أو القبيلة أو الجهة أو الدين أو الانتماء السياسي

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الدول التي نجحت في تجاوز الحروب والنزاعات لم تحقق ذلك عبر الانتقام أو الإقصاء أو التقسيم وإنما عبر العدالة والمصالحة والاعتراف بالحقوق وإشراك جميع المواطنين في صناعة مستقبل بلادهم فالوطن لا يكون ملكا لفئة دون أخرى ولا حكرا على حزب أو جماعة أو قبيلة بل هو ملك لجميع أبنائه على قدم المساواة

ومن أكبر الأخطاء التي وقعت فيها كثير من المجتمعات تحويل الانتماءات الفرعية إلى أدوات للصراع بدلا من أن تكون مصادر للتنوع الثقافي والاجتماعي فالقبيلة جزء من المجتمع لكنها ليست بديلا عن الدولة والجهة جزء من الوطن لكنها ليست الوطن والدين قيمة أخلاقية عظيمة لكنه لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للفرقة أو تجارة سياسية أو أداة للتحريض والكراهية

إن السودان بتاريخه العريق وتنوعه الثقافي والاجتماعي والإنساني يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون دولة قوية ومستقرة ومزدهرة إذا تم توظيف هذا التنوع في إطار المواطنة المتساوية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة بين جميع الأقاليم والمناطق

والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن الشعور بالظلم والتهميش لا يعالج بإنتاج مظالم جديدة ولا بإقامة حدود جديدة بين أبناء الوطن الواحد وإنما يعالج بإصلاح مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة وتوزيع الفرص والخدمات والموارد بصورة منصفة وعادلة يشعر معها كل مواطن أنه شريك كامل في الوطن لا تابع فيه ولا مهمش ولا مستبعد

فالوطن الذي يحمي أبناءه هو الوطن الذي يضمن التعليم للجميع والرعاية الصحية للجميع والعدالة للجميع والفرص المتكافئة للجميع ويصون كرامة الإنسان ويكفل حقوقه الأساسية ويجعل القانون فوق الجميع دون استثناء أو تمييز

إن أخطر ما يهدد الدول ليس الاختلاف في الآراء وإنما تحول الاختلاف إلى عداوة وتحول التنوع إلى صراع وتحول السياسة إلى وسيلة لهدم الدولة بدلا من بنائها لذلك فإن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم على الجميع العمل من أجل نشر ثقافة الحوار والتسامح واحترام الرأي الآخر ونبذ خطاب الكراهية والتحريض والعنصرية والجهوية بكل أشكالها

كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي حماية وحدة السودان أرضا وشعبا لأن وحدة الوطن ليست مكسبا سياسيا لفئة معينة بل هي حق للأجيال القادمة وأمانة في أعناق الجميع والتفريط فيها لا يدفع ثمنه السياسيون وحدهم بل يدفعه المواطن البسيط الذي يفقد الأمن والاستقرار وفرص الحياة الكريمة

إن بناء الوطن يبدأ ببناء الإنسان وتعزيز قيم المواطنة وترسيخ احترام القانون وإعلاء قيمة العمل والإنتاج وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والالتزام بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع والدولة

والوطنية ليست صمتا أمام الخطأ وليست تبريرا للفساد وليست قبولا بالظلم وإنما هي شجاعة في قول الحقيقة وحرص على الإصلاح وإيمان بأن الدولة القوية تبنى بالمحاسبة والشفافية والمشاركة الشعبية واحترام الحقوق والحريات

إن السودان يحتاج إلى مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والعدالة والسلام ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة الحقيقية بين جميع السودانيين دون إقصاء أو تمييز

فالأوطان العظيمة لا تبنى بالكراهية بل بالمحبة ولا تبنى بالانتقام بل بالعدالة ولا تبنى بالتقسيم بل بالوحدة ولا تبنى بالعنصرية بل بالمساواة ولا تبنى بالشعارات بل بالعمل والمسؤولية

وسيظل السودان أكبر من الأحزاب وأكبر من القبائل وأكبر من المصالح الضيقة وأكبر من دعاة الفتنة والانقسام وسيبقى الوطن بيتا مشتركا لكل أبنائه متى ما آمنوا بأن اختلافهم مصدر قوة وأن وحدتهم هي الضمان الحقيقي لمستقبل آمن ومستقر وعادل

الوطن حق للجميع والمواطنة مسؤولية الجميع والوحدة الوطنية ليست خيارا سياسيا مؤقتا بل واجب أخلاقي وتاريخي وقانوني لا غنى عنه لبقاء الدولة وحماية المجتمع وصناعة مستقبل مستقر

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

17/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *