د. خالد عبيد..يكتب «العقود بلا سيف ليست سوى كلمات.» توماس هوبي ((كثيرٌ من الناس لا يردعهم وازعُ الدين ولا الخوفُ من الله، لكنهم يخشون سطوة القانون)) خالد عبيد حتى لا تلدغ حكومة السلام من ( دقريس)) ينبغي تأهيل هذا القطاع وفق المعايير الدولية والإنسانية، وأن تتحول السجون إلى مؤسسات إصلاحية حقيقية تُعنى بإعادة الدمج في المجتمع، والتأهيل النفسي والاجتماعي والمهني، وفق نهج قويم يوازن بين إنفاذ القانون وصون الكرامة الإنسانية. لا تكاد تقوم دولة حديثة من دون نظام عدلي يضم مؤسسات إصلاحية وسجوناً تُنفَّذ فيها الأحكام وتُصان بها هيبة القانون ويُحفظ بها أمن المجتمع. غير أن العالم قطع شوطاً بعيداً في النظر إلى السجن؛ فلم يعد ذلك المكان المعتم الذي يُدفع إليه الإنسان ليمضي سنواته في العزلة والعقاب، بل صار، في التجارب الأكثر نضجاً، فضاءً لإعادة بناء الفرد وتأهيله واسترداد ما انكسر في علاقته بنفسه وبمجتمعه. ومن هنا، تبرز أهمية شرطة السجون بوصفها العمود الفقري للمنظومة الإصلاحية. فالقائمون على هذه المؤسسات لا يحرسون الأسوار والأبواب فحسب، بل يحملون مسؤولية إنسانية دقيقة، تتطلب تأهيلاً مهنياً ومعرفياً متقدماً، يجمع بين الانضباط الأمني وفهم النفس البشرية، وبين تطبيق القانون واحترام الكرامة الإنسانية. فالإصلاح يبدأ أحياناً من كلمة طيبة، ومن معاملة عادلة، ومن إدراك عميق بأن النزيل، مهما أخطأ، يظل إنساناً قادراً على التغيير. ويأتي تطوير البنية التحتية للمؤسسات العقابية جزءاً لا ينفصل عن هذا التصور الحديث. وفي مقدمة الأولويات، تبرز الحاجة إلى إنشاء سجون مخصصة للنساء، تراعي خصوصيتهن الاجتماعية والنفسية والصحية، وتوفر لهن برامج تأهيل وتدريب تستجيب لظروفهن وأدوارهن الأسرية والمجتمعية. فعدالة العقوبة لا تكتمل إلا حين تُصاغ في إطار إنساني يمنح المرأة فرصة حقيقية للعودة إلى الحياة من أبوابها الواسعة. وفي زمن باتت فيه الخبرات تتجاوز الحدود، لم يعد تطوير المؤسسات الإصلاحية شأناً محلياً خالصاً. فالاستفادة من تجارب الدول الأخرى، وتبادل الخبرات والبرامج والتدريب، أصبحت ضرورة لا ترفاً. كما أن توسيع مجالات التعاون مع دول الجوار، مثل جنوب السودان ويوغندا وكينيا، في قضايا نقل أو تبادل السجناء وفق الأطر القانونية والاتفاقيات الثنائية، يعكس فهماً جديداً للعدالة بوصفها مسؤولية مشتركة تتجاوز الجغرافيا وتضع الإنسان في قلب اهتمامها. ولعل من المفارقات التي تكشف مرونة النظم العدلية في العالم أن بعض الدول الصغيرة لا تحتفظ بسجون كبيرة داخل أراضيها. فالفاتيكان يملك مرافق احتجاز محدودة للغاية، وتُنفذ الأحكام الطويلة بالتعاون مع إيطاليا. وفي موناكو، يُنقل المحكوم عليهم بعقوبات طويلة إلى السجون الفرنسية بموجب اتفاقيات قائمة بين البلدين. أما ليختنشتاين، فتعتمد على النمسا في تنفيذ الأحكام الممتدة، مع احتفاظها بمنشأة احتجاز صغيرة داخل حدودها. وهناك أيضاً جزر وأقاليم محدودة السكان تعتمد على ترتيبات مماثلة بسبب انخفاض معدلات الجريمة وضآلة أعداد النزلاء. لكن هذه النماذج لا تعني غياب العقوبة أو انعدام النظام العدلي؛ فليس في عالم اليوم دولة بلا قانون ولا مجتمع بلا آليات لمواجهة الجريمة. فالعدالة، مثل النهر، قد تتغير مجاريها وأدواتها، لكنها لا تتوقف عن الجريان. وفي نهاية المطاف، لا تُقاس حداثة السجون بارتفاع الأسوار ولا بسماكة الأبواب الحديدية، وإنما بقدرتها على الإصلاح والتأهيل وإعادة الدمج. فالمجتمعات الأكثر أمناً ليست تلك التي تكتفي بمعاقبة من أخطأ، بل تلك التي تملك الشجاعة والحكمة لتمنحه فرصة أخرى. وعند هذه النقطة تحديداً، يتحول السجن من مكان ينتهي عنده الطريق إلى محطة يبدأ منها إنسان جديد رحلته نحو المجتمع، أكثر وعياً بنفسه وأكثر قدرة على الحياة شارك تصفّح المقالات الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو؟! الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو؟! (2)