عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب ليست كل الحروب تقاس بعدد القتلى ولا بحجم الدمار الذي تتركه خلفها فبعض الحروب تترك جرحا أعمق من ذلك بكثير جرحا يمتد في ذاكرة الشعوب ويعيد تشكيل حياة الملايين ويحول الوطن من مكان للانتماء إلى ذكرى بعيدة يسكنها الحنين والخوف معا هذا هو المشهد السوداني اليوم بلاد كانت تعج بالحياة والعمل والأحلام تحولت خلال سنوات الحرب إلى مسرح مفتوح للنزوح واللجوء والفقدان ولم تعد المأساة مقتصرة على المدن التي دمرتها المعارك بل امتدت إلى الإنسان نفسه فأصابت شعوره بالأمان وحقه في الاستقرار وثقته في المستقبل في السودان لا يهرب الناس بحثا عن حياة أفضل بل يهربون بحثا عن فرصة للبقاء على قيد الحياة يخرج المواطن من منزله وهو لا يعلم إن كان سيعود إليه يوما أم لا ويحمل معه ما استطاع من أوراق وصور وذكريات بينما يترك خلفه سنوات طويلة من الكفاح والعمل والأمل البيت الذي كان يمثل الاستقرار أصبح عنوانا للخطر والحي الذي كان يضج بالأطفال تحول إلى منطقة مهجورة والمدرسة التي كانت تبني المستقبل أصبحت مركز إيواء للنازحين هكذا تغيرت معاني الأشياء تحت وطأة حرب الكرامة المشؤمة النزوح ليس انتقالا جغرافيا من مدينة إلى أخرى كما قد يبدو في التقارير والإحصائيات بل هو اقتلاع قاس للإنسان من جذوره ومن ذاكرته ومن تفاصيل حياته اليومية إنه لحظة يدرك فيها المرء أن كل ما بناه خلال سنوات طويلة يمكن أن يضيع في ساعات قليلة وحين يعبر البعض الحدود بحثا عن الأمان يكتشفون أن اللجوء ليس نهاية للمحنة بل وجها آخر لها فاللاجئ لا يفقد منزله فقط بل يفقد جزءا من مكانته الاجتماعية واستقلاله الاقتصادي وقدرته على التخطيط لمستقبله كثير من السودانيين الذين كانوا أصحاب مهن وخبرات ومؤهلات عالية وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع جديد لا يسألهم عن تاريخهم العلمي ولا عن خبراتهم المهنية بل يضعهم في خانة واحدة هي خانة اللاجئ وهنا تبدأ معركة أخرى أقل ضجيجا من الحرب لكنها لا تقل قسوة عنها معركة البحث عن العمل وعن السكن وعن التعليم وعن العلاج وعن الاعتراف بالكرامة الإنسانية إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في فقدان المأوى بل في شعور الإنسان بأنه أصبح غريبا عن حياته التي كان يعرفها أن يتحول صاحب القرار في أسرته إلى شخص ينتظر المساعدة وأن تصبح الشهادة الجامعية وثيقة بلا قيمة وأن يتحول المستقبل إلى سؤال مفتوح بلا إجابة هذه ليست مجرد أزمة إنسانية عابرة بل واحدة من أخطر نتائج الحرب على المدى البعيد فالأطفال الذين حرموا من التعليم اليوم سيدفعون ثمن ذلك لسنوات طويلة والنساء اللاتي تحملن أعباء النزوح واللجوء فقدن كثيرا من فرص الاستقرار والأمان وكبار السن الذين كانوا يأملون أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم بين أسرهم وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف لم يتخيلوها يوما أما على مستوى الدولة فإن الخسائر تتجاوز الدمار المادي بكثير فالحروب لا تدمر المباني فقط بل تدمر الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وتستنزف الاقتصاد وتضعف فرص التنمية وتدفع الكفاءات إلى الهجرة وتؤخر مسيرة الأجيال القادمة لقد أثبتت التجربة السودانية كما أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن الحرب لا تنتج استقرارا دائما ولا تبني دولة حديثة ولا تحقق تنمية مستدامة الحرب تنتج مزيدا من الضحايا ومزيدا من الانقسام ومزيدا من الأعباء التي تتحملها الأجيال المقبلة ومن منظور القانون الدولي فإن حماية المدنيين ليست مسألة اختيارية بل التزام قانوني وأخلاقي وإن استهداف البنية المدنية أو تعريض السكان لمخاطر النزوح القسري أو حرمانهم من الاحتياجات الأساسية يمثل انتهاكا للمبادئ التي قامت عليها قواعد القانون الدولي الإنساني لكن بعيدا عن النصوص القانونية تبقى الحقيقة الأكثر وضوحا أن الإنسان السوداني هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو من فقد منزله وعمله ومدرسته ومستشفاه وأصدقاءه وأقاربه وأجزاء كبيرة من حياته ولهذا فإن الحديث عن مستقبل السودان لا يمكن أن يبدأ من ساحات القتال بل يجب أن يبدأ من الإنسان السوداني نفسه ومن حقه في الحياة الكريمة والأمن والاستقرار والعدالة إن إنهاء الحرب ليس مجرد ضرورة سياسية بل واجب وطني وأخلاقي وإنساني فلا يمكن إعادة بناء دولة منهكة بالصراع دون سلام ولا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون استقرار ولا يمكن استعادة ثقة المواطنين دون سيادة القانون واحترام الحقوق والحريا إن المدخل الحقيقي لإنقاذ السودان يبدأ من الإيمان بأن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات وأن العدالة هي الضامن للاستقرار وأن السلام ليس تنازلا لأحد بل مصلحة مشتركة للجميع سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الحرب كما انتهت حروب كثيرة قبله لكن السؤال الذي سيبقى مطروحا أمام ضمير الوطن هو كم كان الثمن باهظا وكم من الأرواح والأحلام كان يمكن إنقاذها لو انتصر صوت العقل قبل صوت السلاح إن ملايين السودانيين الذين يعيشون اليوم بين النزوح واللجوء لا يبحثون عن امتيازات استثنائية ولا عن مساعدات دائمة إنهم يبحثون عن حق بسيط ومشروع أن يعودوا إلى وطن آمن أن يعيشوا بكرامة أن يربوا أبناءهم دون خوف وأن يروا السودان من جديد دولة يسع ظلها جميع أبنائها فالأوطان لا تبنى بالحروب بل تبنى بالسلام ولا تحفظ بالقوة وحدها بل تحفظ بالعدالة ولا تستمر بالانقسام بل تستمر حين يشعر كل مواطن أن هذا الوطن وطنه وأن القانون يحميه وأن مستقبله فيه ممكن ومستحق نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٢٢/يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو؟! (2) ” ما عدا المؤتمر الوطني” ليس جندا غربيا !