نفيسة حجر…تكتب انقضى بالأمس العشرين من يونيو، اليوم العالمي للاجئين، وطويت منصات الاحتفال الرسمية، لكن تفاصيل اللجوء ومكابدته لم تنتهِ بالنسبة لنا كلاجئين سودانيين بل نعيشها واقعاً يفرض نفسه مع إشراقة كل صباح. لم يكن اللجوء يوماً خياراً سعينا إليه، بل كان المفر الوحيد والضرورة القصوى للنجاة بأرواحنا وعائلاتنا من أتون حرب طاحنة ونزاعات مسلحة فتكت بمدننا وقرانا. إن ظاهرة اللجوء التي انتظمت البلاد بسبب حرب أبريل ٢٠٢٣ لم تكن هي الأولى في تاريخنا الحديث فقد شهدتها دارفور منذ العام ٢٠٠٣، ولحقت بها جبال النوبة والنيل الأزرق في دورات عنف متتالية، والمؤسف حقاً أن الوجدان السوداني لم يكن واحداً حينها، فلم يحسالكثيرون بمرارة اللجوء والنزوح والفرار إلا بعد أن تجرعوها بأنفسهم في هذه الحرب الدائرة. وإذا كان العالم قد تذكرنا بالأمس عبر التقارير والخطابات، فإننا نعيد صياغة هذا اليوم كوقفة صمود ومراجعة مستمرة فقبل أن نتوجه بحديثنا لتذكير المجتمع الدولي بمسؤولياته، فإننا نذكر بمرارة وغضب أولئك الذين أودوا بنا إلى هذا المصير المظلم، أولئك الذين تعطشت نفوسهم لدماء الشعب السوداني واستباحوا أرضه ومقدراته وتسببوا في تشريد الملايين عبر الحقب. وفي ذات الوقت، نذكر أنفسنا قبل غيرنا بأننا سفراء لبلادنا أينما حطت بنا رحال الشتات، يتوجب علينا أن نتحلى بالقيم السودانية السمحة من مروءة، ونزاهة، وتكافل، لنعكس للعالم أجمع الوجه الحقيقي لإنسان السودان الموحد في محنته. إن الأرقام المليونية المفزعة التي تصدرت شاشات الأخبار بالأمس خلفها قصص محزنه، وأسر سودانية عزيزة النفس تواجه قسوة الشتات بجلد وكبرياء، ليثبت السودانيون والسودانيات في مختلف دول اللجوء أنهم ليسوا عبئاً أو مجرد أرقام في قوائم الإغاثة، بل هم طاقات معرفية ومهنية وقانونية حية، يحملون وطنهم في تفاصيلهم ويواجهون ظروف الاغتراب بكرامة، متمسكين بالأمل في انتصار قيم العدالة والسلام الشامل التي تمهد لطريق العودة. ومن رحم هذا الصمود الإنساني، وفي اليوم التالي للاحتفال، تبرز المحاكمة الحقيقية للالتزامات الدولية، إذ إن الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئ، ليست نصوصاً تُتلى في المناسبات، بل هي التزامات قانونية صارمة ودائمة، ويظل مبدأ عدم الإعادة القسرية هو خط الدفاع الأول عن الأنسان السوداني. وبناءً على هذه الأرضية القانونية، فإن أي تضييق معيشي أو إجرائي يُمارس ضد اللاجئين السودانيين في دول الملاذ، بما قد يدفعهم قسراً للعودة إلى مناطق النزاع المسلح والانتهاكات الجسيمة، يمثل انتهاكاً صارخاً وصريحاً للقانون الدولي، مما يجعل توفير الحماية القانونية الشاملة وتسهيل إجراءات الإقامة والمعاملة الآدمية هو الواجب المستمر الذي يجب على الدول المضيفة الوفاء به اليوم قبل الغد. ولا يقف هذا الواجب عند حدود الحماية القانونية فحسب، بل يتطلب من المجتمع الدولي انتقالاً جذرياً في التعاطي مع الأزمة فالذي يحتاجه اللاجئ السوداني اليوم، بعد أن وضعت الاحتفالات أوزارها، هو التحول من منطق المساعدات الإغاثية الطارئة إلى منطق التمكين القانوني الذي يقود الي إخراج اللاجئ من دائرة الهشاشة والتهديد المستمر إلى دائرة المواطنة المؤقتة المحمية. إن منح السودانيين حقوقهم الأساسية في التعليم، والرعاية الصحية، والولوج الآمن لسوق العمل هو استثمار حقيقي في الاستقرار الإقليمي، فالكفاءات السودانية في الشتات قادرة على تقديم إسهامات تنموية وحقوقية نوعية للمجتمعات المضيفة متى ما تفككت القيود البيروقراطية. وتأسيساً على ذلك، يصبح حديثنا اليوم امتداداً طبيعياً لصرخة الأمس في وجه الضمير العالمي، فلا يمكن وضع حد لمأساة اللجوء السوداني دون معالجة الجذور المسببة لها، وتفعيل آليات المحاسبة والمساءلة الدولية ضد مرتكبي الانتهاكات, ووقف تدفق السلاح، ودعم ركائز الاستقرار والتحول المدني الديمقراطي. إن حمايتنا ودعمنا اليوم، وفي كل يوم يلي العشرين من يونيو، هو الاختبار الحقيقي لمدى جدية المجتمع الدولي في احترام عهوده ومواثيقه، والتأكيد على أن كرامة الإنسان وحقه في الأمان لا يسقطان بعبور الحدود والاضطرار للجوء. وآخر قولي: إن الأوطان تُستعاد بالعدالة وتُبنى بحرية الإنسان. شارك تصفّح المقالات الأطفال المفقودون بين شبح الاتجار بالبشر وغموض المصير من داخل آبار نفوسنا، من هنا نبدأ؟!